ذو الحجة وبركات الحسبة

ذو الحجة وبركات الحسبة

28 ذو القعدة 1438هـ

يستقبل المسلمون شهراً عظيماً، وزمناً شريفاً، وموسماً رابحاً، جامعاً لأنواعٍ من الفضائل، وحاوياً لكثير من الخيرات والمنازل، ومنها:

- أنَّ فيه تجتمع أمهات من العبادات، وهي: الحج، والهدي، والأضحية، وكذا الصلاة، والصيام، وغيرها من العبادات.

- أنَّ فيه تجتمع أيام فاضلة (أيام العشر، ويوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق).

فجَمَعَ الله في هذا الشهر المـُحرم بين هذه الفضائل العديدة، والمزايا الشريفة، حتى صار ذا بركة فائضة، وميزة زائدة، وأعمال مقبولة، وخيرات مفعولة، ومكارم مأثورة، وسوقاً كبيراً من أسواق الآخرة.

وإنَّ من صفات العابدين، وسمات العارفين، وخصال المحتسبين: الاجتهاد في هذه الأيام أكثر من غيرها من الأيام؛ لعلمهم بشرف الزمان بالنسبة لأهل الأمصار، وشرف المكان -أيضاً- لحجاج بيت الله الحرام، الذين اجتمع لهم فيها شرف الزمان، وشرف المكان، وشرف الحال، الذي هو أحد أسبابها، يقول الغزالي -رحمه الله-: "وبالحقيقة يرجع شرف الأوقات إلى شرف الحالات أيضاً؛ إذ وقت السحر وقت صفاء القلب، وإخلاصه، وفراغه من المشوشات، ويوم عرفة ويوم الجمعة وقت اجتماع الهمم، وتعاون القلوب على استدرار رحمة الله -عز وجل- فهذا أحد أسباب شرف الأوقات، سوى ما فيها من أسرار لا يطلع البشر عليها"([1]).

وما مِن شكٍ أنَّ وقت المسلم نفيس، وهو في هذه الأيام أنفس، وزمنه شريف وهو في هذه الأيام أشرف، والمسلم عمره محدود، وأيامه قصيرة؛ ولهذا عوَّضه الله تعالى بمواسم الخيرات، وأعطاه من شرف الزمان والمكان ما يستطيع به أنْ يُعوض أي تقصير في حياته، إذا ما وُفق لاستغلالها، والعمل فيها، ومن تلك المواسم (شهر ذي الحجة) المحرم، والزمن الأكرم.

فينبغي على المسلم الإكثار فيه من العبادات، والتزود من الطاعات، ألا وإنَّ مِن أعظم الطاعات في هذا الشهر، وأكرمها، وأبركها: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ إذ إنَّه كلما كان الزمن أشرف كانت هذه العبادة وهذه الشعيرة فيه أعظم وأشرف.

ومما هو معلوم أنَّ للحسبة بركات، تُصيب من يقوم بها، ولا يشعر بهذه البركات إلا كل مَن سار في طريق الحسبة، وطريق دعوة، وهي بركات شاملة للدنيا والدين، والفرد والمجتمع، والإنسان وغيره.

يقول ابن القيم: "فإنَّ بركة الرجل تعليمه للخير، حيث حل، ونصحه لكل من اجتمع به، قال الله تعالى إخباراً عن المسيح: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ} [مريم (31)] أي: معلماً للخير، داعياً إلى الله، مذكراً به، مرغباً في طاعته، فهذا من بركة الرجل، ومن خلا من هذا، فقد خلا من البركة، ومحقت بركة لقائه، والاجتماع به، بل تمحق بركة من لقيه، واجتمع به، فإنه يضيع الوقت في الماجريات، ويفسد القلب، وكل آفة تدخل على العبد فسببها ضياع الوقت، وفساد القلب، وتعود بضياع حظه من الله، ونقصان درجته، ومنزلته عنده"([2]).

والقصد: أنَّ بركات الحسبة في هذا الموسم عظيمة، ومنافعها عديدة جليلة، ومن بركاتها:

1- أول بركات هذه الشعيرة في هذه الزمان الشريف، ينالها المحتسب نفسه، حيث شَغَلَ وقته، وعَمَرَ زمانه، بهذه الشعيرة العظيمة، التي وقعت في زمن فاضل.

يقول ابن رجب -رحمه الله- في الكلام على حديث: ((ما العمل في أيام أفضل منها في هذه؟)) قالوا: ولا الجهاد؟ قال: ((ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله، فلم يرجع بشيء))([3]): "وهذا الحديث نصٌ في أنَّ العمل المفضول يصير فاضلاً إذا وقع في زمان فاضل، حتى يصير أفضل من غيره من الأعمال الفاضلة؛ لفضل زمانه، وفيه: أنَّ العمل في عشر ذي الحجة أفضل من جميع الأعمال الفاضلة في غيره، ولا يُستثنى من ذلك سوى أفضل أنواع الجهاد، وهو أنْ يخرج الرجل بنفسه وماله، ثم لا يرجع منهما بشيء"([4]).

وقال القاري في مرقاته: "وهذا يدل على أنَّ شرف الزمان له تأثير عظيم، كما أنَّ فضل المكان له أثر جسيم"([5]).

قلتُ: كيف لا يتضاعف أجر الحسبة والاحتساب ها هنا، وهي واقعة في أحب الزمان إلى الله، كما روي عن كعب: أحب الزمان إلى الله الشهر الحرام، وأحب الأشهر الحرم إلى الله ذو الحجة، وأحب ذي الحجة إلى الله العشر الأول، وكذا قال سعيد بن جبير: ما من الشهور أعظم حرمة من ذي الحجة([6]).

ويقول ابن رجب -رحمه الله-: "وهذا كله يدل على أنَّ شهر ذي الحجة أفضل الأشهر الحرم؛ حيث كان أعظمها حرمة"([7]).

إذاً فالأعمال الصالحة يُضَاعَف أجرها لشرف الزمان والمكان، غير أنَّ الواجب فيها حتى يترتب عليها القبول، ونيل الأجر المأمول: الإخلاص، كما قال الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة (5)].

فلتحتسب -أيها الحبيب- ولتدعُ، ولتعلم غيرك، فإنَّك أول من يستفيد من ذلك، بركة الأمر والنهي، والدعوة والنصيحة، وبركة الحركة، وبركة الجهد لدين الله، تجدها في أُجُورك، وتجدها في وقتك، وفي نفسك وحالك، وأهلك.

فلو عَلِمَ اللهُ منك الصدق والإخلاص، وتكلمت كلمة واحدة لحركت كلمتك القلوب، وذرفت منها العيون، وأثرتْ تأثيراً كبيراً، فليست العبرة بالمحاضرات الطويلة، ولا بالكلمات الرنانة، فكم من محاضرات لا تحرك ساكناً، ولا تُنِّبه غافلاً، وإنما العبرة بالإخلاص والصدق، فهما اللذان يحركان القلوب، فبالكلمة الصادقة، والدلالة المخلصة -ولو كانت يسيرة- يُحيي اللهُ بها القلوب الموات!

وبخاصة وأنت -أيها المحتسب اللبيب- في هذا الشهر، وهذا الموسم الفاضل، الذي تكون فيه النفوس مقبلة، والقلوب مخبتة، ومتهيئة للاستجابة والتأثُّر والقبول، فلتقم بالأمر والنهي، مذكراً بالواجبات، ومحذراً من المنكرات والمخالفات، وما أكثرها في هذه الأيام!

ولتتذكر قول الله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا} [فصلت (33)] فأنت الأحسن قولاً، والأكرم فعلاً، والأوفر حظاً، يقول الحسن البصري -رحمه الله- عند هذه الآية: "هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحاً في إجابته: {وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت (33)] هذا خليفة الله"([8](.

2- ومن بركات التحرك بالحسبة في هذه الأيام -التي تكثر فيها الطلعات، والخروج للمتنزهات، والاستراحات-: أنْ نجد شوارعنا، ومتنزهاتنا، ومجتمعاتنا عموماً في هذه الأيام خالية من المنكرات والمخالفات، التي تغضب رب الأرض والسموات، إذا ما قمنا بواجبنا بالحسبة والاحتساب، وأنعِم بها من بركة وفضل!

3- ومن بركة القيام بالحسبة في هذا الموسم العظيم، الذي تكثر فيه اللقاءات، والزيارات، والاجتماعات، بين الأفراد والأسر: أنْ تَقِل المظاهر السلبية، والمخالفات السيئة، إذا قام المحتسبون بواجبهم، بالتنبيه عليها، والتحذير منها.

3- ومن بركة القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذه الأيام العظيمة: أنْ نجد مجتمعات مُبْتَعِدة عن العادات السيئة، من الإسراف بالذبائح، والتبذير بالأطعمة، والغيبة والنمية، والإغراق باللهو والترف، وضياع الأوقات، والغفلة عن الصلوات.

4- ومن بركتها أيضاً: أنْ يسود في المجتمعات روح التكافل، والتراحم، والتآلف، ومواساة الفقراء، والمساكين، والأرامل، وصلة الأرحام، شريطة قيام المحتسبين بالاحتساب في هذه الجوانب كلها.

5- ومن بركاتها: أنَّها سبب في استغلال هذه الأيام بما ينفع، من الطاعات والقربات، والأعمال الصالحات، والحفاظ على الأوقات، وإصلاح هذا الزمان في طاعة الله -عز وجل-؛ وذلك إذا قام كل محتسب غيور، بواجبه في التذكير بفضل هذه الأيام، وعظمتها، ومكانتها عند الله.

والمقصد: أنَّ لهذا الشهر العظيم من الخصائص ما ليس لغيره من الشهور، مما ينبغي أنْ يكون فرصة لزيادة معدلات التغيير والإصلاح، في حياة الفرد نفسه، والأمة جمعاء، هذه الفرصة العظيمة سانحة في هذا الشهر المحرم، حيث تصفو النفوس، وترق القلوب، ويرجع العباد إلى ربهم، فليعلم كل واحدٍ منا أنَّه لا بد أنْ يُساهم بقسط وافر في القيام بهذه الشعيرة، للحفاظ على سفينة المجتمع من الغرق، فإذا لم يتحرك المحتسبون والدعاة للقيام بواجبهم تعليماً وعملاً وحسبةً وإرشاداً، في هذه الأيام، فمتى سيتحركون؟!

فما أحوجنا معاشر المسلمين كافة إلى وقفة محاسبة، كل منا مع نفسه في هذه الأيام الفاضلة، نراجع أحوالنا، ولا سيما من أسرف وفرط في هذا السهم المهم من سهام الإسلام، وهو الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فمن فرط فليبادر بالمشاركة في خدمة دينه، بِهَمه، وفكره، ولسانه، وماله، وما في وسعه.

كما أنَّ للدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في موسم الحج شأن عظيم، وهي سنة نبوية، فقد كان -عليه الصلاة والسلام- يعرض دعوته على الناس في موسم الحج، فأرسل عدداً من الصحابة -رضوان الله عليهم- لهذا الغرض، وفي حجة الوداع نصح أمته غاية النصح، وبلغها البلاغ المبين، وقد استمر علماء الإسلام ودعاته المخلصون الصادقون على مر العصور في استغلال هذا الموسـم العظيم، في إيقاظ القلوب، وإنارة البصائر، وعرض الإسلام النقي، والتحذير من مخاطر الشرك، وشوائب البدع والمنكرات.

ومن أعظم مجالات الحسبة في هذه الأيام، الحسبة في التجمعات، والأسواق التي تكتظ بالناس في هذا الموسم، وهي أماكن يغلب عليها الغفلة، ويجتهد فيها الشيطان وأعوانه للإيقاع بالناس رجالاً ونساءً، فوجود المحتسبين في مثل هذه الأماكن له أهميته وأثره، فجدير بهم أن يبذلوا وسعهم في هذا السبيل.

وليتذكروا أنَّ من صفات الرابحين، والمؤمنين السعداء: الإيمان الصادق، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، كما جاء في سورة العصر.

ولنتذكر جميعاً: أنَّ ما بقي في الأمة من خير، وما بقي فيها من صلاح، ما هو إلا ببركة القيام بهذه الشعيرة العظيمة والمباركة، وببركة الدعوة إلى العقيدة الصحيحة، التي صارت شجىً في حلوق الكافرين والملحدين والمعاندين، وعُباد القبور، ومردة الشياطين، وببركة الدفاع عنها من قِبَل العلماء العاملين الربانيين، من السلف والخلف، حيث قاموا بذلك بكل ما أتوا من قوة، وبذلوا أموالهم، ودماءهم في سبيل الذود عن مبادئها، ودفع غائلة الشر عنها، فتعرضوا لأنواع الأذى.

حتى بقيت حية غضة، طرية، في قلوب أبنائها، واستمرت مصدر إشعاع ونور، ولا زلنا -بحمد الله- نتفيأ ظلالها الوارفة، ونعيش في كنفها الرحب، إلا أنَّ ذلك سيظل مرهوناً بمدى قيام الأمة بواجبها تجاه هذه الشعيرة، فلو تخلت عنها اليوم لأصابها البلاء الكبير، والشر المستطير، فاثبتوا عليها -رحمكم الله-، وقوموا بها، خير قيام، فهي من أفضل أعمالكم.

فقد سُئل ابن المبارك: أي الأعمال أفضل؟ قال: النصح لله -عز وجل-([9]).

وقال سفيان بن عيينة: "عليك بالنصح لله في خلقه، فلن تلقَ اللهَ بعمل أفضل منه"([10]).

ويقول الحسن البصري: "وقال بعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-: والذي نفسي بيده، إنَّ شئتم لأقسمن لكم بالله: إنَّ أحب عباد الله إلى الله الذين يحببون الله إلى عباده، ويحببون عباد الله إلى الله، ويسعون في الأرض بالنصيحة"([11]).

وتنبهوا أنَّ في ترك هذه الشعيرة خذلان الحق، وجفوة الدين، وفي خذلان الحق ذهاب البصيرة، وفي جفاء الدين فقد النور، نسأل الله السلامة والعافية.

هذه بعض بركات الحسبة، وعلاقتها بهذه الأيام الفاضلة.

نسأل الله تعالى أنْ يجعلنا من أهلها، القائمين بها، كما أراد ربُنا -تبارك وتعالى-.

 



([1]) الإحياء (1/550).

([2]) رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه (ص: 5).

([3]) أخرجه البخاري في أبواب العيدين، باب فضل العمل في أيام التشريق (2/ 20-969).

([4]) فتح الباري لابن رجب (9/ 12).

([5]) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (3/ 1021).

([6]) فتح الباري لابن رجب (9/ 19).

([7]) فتح الباري لابن رجب (9/ 20).

([8]) تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (21/ 469) وتفسير عبد الرزاق (3/ 155-2710).

([9]) العقوبات لابن أبي الدنيا (ص: 41).

([10]) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (7/ 294).

(([11] جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (1/ 224).


  

عدد مرات القراءة 141
رابط المقال