كيفية إعداد المحتسبين

كيفية إعداد المحتسبين

11 ذو القعدة 1438هـ

المحتسبون هم العنصر الأساسي في الحسبة، والمكون الرئيس فيها، وعليهم المعول في القيام بمهام الاحتساب، وهذا يستلزم الاهتمام بإعدادهم كماً وكيفاً، ولو نظرنا إليهم من حيث العدد، فسنجد أنَّ هناك مشكلة، تكمن في قلة عددهم، وأما من حيث نوعية المحتسبين فهي مشكلة أخرى.

وقد تعودنا أن نسمع عن معاهد ومدارس إعداد الدعاة هنا وهناك، ولم يوجد مثل ذلك فيما يخص إعداد المحتسبين، والواقع أنَّ ثمة حاجة ملحة في وجود مدراس ومعاهد ومناهج خاصة في سائر البلاد الإسلامية، تهتم بإعداد المحتسبين، وتعريفهم بطرق الحسبة، ووسائلها، كما جاءت في كتاب الله، وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، حتى ينشأ جيل احتسابي واعٍ، ومحتسبون أكفاء، قادرون على القيام بالواجب المنوط بهم، مدركون لروح الإسلام ومنهجه في التعامل مع المنكرات وأصحابها، بالإضافة إلى اطلاعهم على ثقافة العصر؛ ليكون تعاملهم مع المجتمعات المعاصرة ومنكراتها عن وعي وبصيرة.

ولئن كانت الحاجة إلى إعداد المحتسبين الأكفاء ملحة دائماً، فإنَّ هذه الحاجة الآن أشد إلحاحاً، بسبب كثرة المنكرات وتنوعها وتعقدها، وبسبب خطر التيارات المادية التي اتسع نشاطها، والنحل المحرفة، والأخلاق الفاسدة، وأصحاب الباطل الذين دُربوا على الترويج لباطلهم ومنكراتهم في ذكاء واضح، وخطة مدروسة، وهدف محدد.

فلا بد إذن أن تُبذل جهود حثيثة في سبيل إعداد المحتسبين المؤهلين، الذين يقومون بواجب الحسبة، بحيث يكونون متسلحين بالعقيدة الصافية، والعلم الشرعي الأصيل، وثقافة العصر وواقعه، والمهارات الاحتسابية المطلوبة.

وهذا يدفعنا إلى أن نفكر جدياً في الوسائل الممكنة والناجحة في إعداد المحتسبين إعداداً يتفق مع متطلبات العصر، لتخريج أفواج جديدة من المحتسبين، مزودين بزاد كافٍ من العلم والفقه والمعرفة، ورحابة الأفق، وسعة الصدر، والقدرة على مواجهة الأحداث الجديدة، بعقل مستنير، ودين متين، وخلق قويم، وقلب متفتح نقي، وإدراك واع لظروف الحياة مِن حولهم، ولعل من وسائل الإعداد هذه:

إنشاء مدارس احتسابية:

تكون مهمتها إعداد المحتسبين إعداداً علمياً وعملياً، -مع الممارسة والتطبيق-، مع إمكان تطويرها لتصبح كليات احتسابية، تقوم بتدريس الحسبة وطرقها، ووسائلها، ومناهجها، مسترشدة بالقرآن والسنة، والسيرة، والتاريخ الإسلامي، على أن يقوم الدارسون بعد ذلك بممارسة الحسبة عملياً، وتبليغ ما تعلموه إلى الأمة، حتى تصير الحسبة همّ الجميع، ووظيفة الجميع، يعرفها ويمارسها ويدرك أهميتها الذكر والأنثى، والصغير والكبير، ليصبح الاحتساب والإصلاح همَّاً عامَّاً، وعملاً مشتركاً، يشترك فيه الجميع؛ فالمرأة في عالمِها محتسبة، والمهني في مجاله كذلك، والعامَّة في مجالسهم وأعمالهم، والمثقفون وأهل الرأي في ميدان الكلمة والرأي، والمسؤول في سلطته، والإعلامي في منبره، وكل راعٍ في رعيته، وحينها تنحصر المنكرات، وتقل المخالفات، وبذلك يظل ضمير الأمة حياً، يعرف المعروف، وينكر المنكر!

• إعداد مناهج احتسابية متخصصة:

لا بد من إعداد منهج (علمي وعملي -تطبيقي-) لإعداد المحتسب، حتى تكون حسبته على بصيرة، كما أمر الله، بحيث يعرف ما يأمر به، وما ينهى عنه، ويعرف من يأمر ومن ينهى وكيف يأمر وكيف ينهى، ويعرف واقعه وعصره أيضاً، وذلك عن طريق وضع منهج متكامل، تشترك في وضعه لجنة من كبار علماء العالم الإسلامي، على أن تتوافر فيه المقومات التالية: (الأصالة، والمعاصرة، والوسطية، والاعتدال) بحيث يؤدي إلى بناء شخصية احتسابية متكاملة، متميزة بالوسطية، والعلم، والرفق، والحلم، ويحبذ أن يقوم منهج إعداد المحتسب على مستويات ثلاث:

1- الاحتساب على العامة.

2 - الاحتساب على المثقفين.

3 - الاحتساب على غير الناطقين بالعربية من المسلمين وغيرهم، وهذا يتطلب من فئة من المحتسبين معرفة بعض اللغات الأخرى.

إقامة دورات احتسابية:

ومن الوسائل في إعداد المحتسبين إقامة دورات متخصصة في هذا المجال، لرفع مستوى المحتسبين الحاليين، وتخريج نوع جديد منهم، لسد الفراغ في مجالات الحسبة والاحتساب في المجتمعات المسلمة، التي تعاني من قلة المحتسبين، أو عدم وجودهم، على أن تحتوي هذه الدورات على مناشط متنوعة، وأن تتميز بالانضباط بمنهج علمي سليم.

وأن تهتم برامج هذه الدورات بدراسة عادات الناس، وتقاليدهم السائدة، والأفكار المنتشرة فيهم، والطبائع والأفكار المسيطرة عليهم؛ لأن معرفة هذه النواحي تساعد المحتسِب على فهم المحتسَب عليهم، وتحدد له طرق مخاطبتهم، ووسائل إقناعهم، كما أنها تجعله يواجههم بالحكمة المطلوبة، والمجادلة الحسنة، فيأتيهم من حيث حاجتهم، وقناعتهم، متخيراً المناسب لحالهم، وبذلك ينال ثقتهم، ويفوز بهدايتهم، ويكون ممتثلاً قول الله تعالى: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} [الأعلى (9)]؛ ونفعها يكون بملاحظة هذه النواحي -جميعها- وأمثالها.

مع الاهتمام بالجانب الإيماني والأخلاقي لتعميقه عند المحتسبين، فهو ركيزة أساسية لنجاح حسبتهم؛ لأن المحتسب يحتسب بقوله وعمله ومظهره، وبكل أنشطته، فيجب الاهتمام بالخلق المتين، والسلوك الحميد، مع إبراز الأمثلة الموحية من خلال سيرة النبي الكريم، وسيرة الصحابة والتابعين.

فهذه بعض الوسائل في إعداد المحتسب، وهي -كما ترى- تحتاج إلى إمكانات هائلة، تتطلب من القادرين البذل في هذا السبيل، مع إمكان تمويلها في ميزانيات الدول الإسلامية، بما تملكه من ميزانيات معدة للتعليم والإرشاد وغيره، والقصور في التمويل يؤثر سلباً بالوفاء بمتطلبات الحسبة وحاجاتها، ويجعل الأمة غير قادرة على الصمود في معركة الصراع العقدي والأخلاقي، وفي مواجهة هذه التحديات العظيمة، والمنكرات العديدة، وغير قادرة أيضاً على تطوير الحسبة وطرقها ووسائلها.

وإذا كان الغزو الفكري التبشيري يجد من مصادر التمويل الرسمية من ميزانيات الدول الكافرة، وغير الرسمية -الشعبية- من تبرعات الأفراد والمؤسسات والجمعيات، ما يجعله وافر القدرة، بالغ النشاط، يصل بنشاطه إلى كل مكان في عالمنا الإسلامي، فما بال أهل الحق غافلون؟!

والمقصود: أنَّ عملية الإعداد هذه واسعة وهامة، ولا بد لها من جهد كبير، وتخطيط سليم، وإمكانيات واسعة، حتى تصل إلى هدفها ومقصودها، ثم بعد ذلك يتبعها التطوير المستمر، والمراجعة المتواصلة.


  

عدد مرات القراءة 47
رابط المقال