وقفة مع الدين الجديد!

وقفة مع الدين الجديد!

04 ذو القعدة 1438هـ

سؤال يطرح نفسه على كل الدعاة الذين تحولوا من الدعوة لدين الإسلام العتيق الذي أرسل اللهُ به نبيَّه صلى الله عليه وسلم، إلى الدعوة لدين جديد لا يحمل من الإسلام إلا اسمه، وإن شئت فقل الداعين لخلط الحق بالباطل، ولهدم مصدر الخيرية، ممن غرَّ بعضَهم ظاهرُ الحياة الدنيا، وظن بعضُهم أنهم يحسنون صنعًا، تماشيًا مع ما يطلق من دعوات في الغرب بحق دين الإسلام: فهل يُظنُّ بعدو محارب يحمل سلاحه ليل نهار أن يدلنا على ما فيه صلاحنا، بل أيعقل أن نقتدي بمن لا يملك مقومات القدوة والأسوة؟

نعم إنه أمر عجيب غريب، لكنه واقع مر أليم حذرنا منه سيد المرسلين عليه أفضل الصلاة والتسليم فعن أبي سعيد رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه»، قلنا يا رسول الله: اليهود، والنصارى؟ قال: «فمن»[1]، أي: فمن غيرهم؟ فجحر الضب شديد الضيق والرداءة ونتن الرائحة، لا شيء منه يستفاد، بل فيه كل الشر والضرر، ومع ذلك منا من يدخله ويريد أن يجر الأمة إليه!

فهؤلاء الدعاة يُدخِلون في الدين ما ليس منه، بقصد أو بدون قصد، ويهدمون ما هو منه زاعمين كذبًا وزورًا أن ذلك لمواكبة العصر، ولتحقيق النصر، ولسان حالهم ولربما مقالهم: {إِنْ أَرَدْنَا إِلا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} أي: ما قصدنا في ذلك إلا الإحسان إلى بلادنا، وتطور مجتمعاتنا، وهم كَذَبة في ذلك أو واهمون؛ فإن الإحسان كل الإحسان في شرع الله وحكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والانقياد له، وإن أرجف المرجفون وتوعَّد المتوعدون وزين المزيِّنون {ومَنْ أحْسَن من الله حكمًا لقوْمٍ يوقنون}.

وعن طارق بن شهاب؛ قال: لما قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه الشام؛ لقيه الجنود وعليه إزار وخفان وعمامة، وهو آخذ برأس راحلته يخوض الماء، وقد خلع خفيه وجعلهما تحت إبطيه، فقالوا له: يا أمير المؤمنين! الآن تلقاك الجنود وبطارقة الشام وأنت على هذه الحالة! فقال عمر رضي الله عنه: إنا قوم أعزنا الله بالإسلام؛ فلن نلتمس العزة بغيره)[2]، فلم يُعِر بالًا لاعتراض المعترضين وتشنيع المشنعين، وأعلنها مدوية: العز كل العز في التمسك بما تركنا عليه نبينا صلى الله عليه وسلم.

فيقال لهؤلاء الداعين للدين الجديد: لقد أجابكم رب البرية بقوله تعالى: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3]، فقد كمل الدين قبل ألف وأربعمائة سنة، ومن أراد أن يجدد أمر الدين حقًّا فعليه أن يزيل عنه ما علق به مما ليس منه ليعود إلى ما كان عليه يومها كما هو، بلا زيادة أو نقصان، ومن أراد غير ذلك فإنه لم يُرِد الكمال، وهل يعقل من ذي لب أن يبحث عن النقصان بعد الكمال؟ يقول تعالى: {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة: 3]، فهل جزاء الإحسان وإتمام النعمة أن تبدّل نعمة الله كفرًا، وأن يُقاد قومُنا لدار البوار؟ ويقول تعالى: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، فهل نرضى غير مارضيه لنا العليم الحكيم.

ومما لا جدال فيه أننا لا ننكر الاستفادة مما عند غيرنا مما يعود بالخير علينا وعلى مجتمعاتنا، ولكننا نأبى ذوبانًا يفسد دنيانا، ويغضب ربنا ومولانا،  ونعتدي فيه على منهجنا القويم، وتعاليم ديننا الحنيف، فنُعْمِلُ فيه المعاول بزعم التجديد والتطوير والتحسين، وكأننا نسينا هؤلاء الرهط الذين كانوا يبحثون عن الأفضل وقد حسنت نياتهم ومقاصدهم، فظنوا أن ثمة أعمال وعبادات -وليس نهجًا متكاملًا كما يريد المفسدون في هذه الأيام- قد تكون أفضل في حقهم مما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعلنوها عن إعمال رأي واجتهاد قائلين سنفعل ونفعل لنحقق الخير، وهنا غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم شفقة عليهم، إذ لا سبيل للنجاة إلا بالتمسك بهديه وطريقه، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»[3]، أفلا يعقل هذا دعاة الدين الجديد؟

فهؤلاء وإن سموا ما أرادوا ما سموا، فإن العبرة بالمعاني لا المباني، وبالمضمون والحقيقة لا بالأسماء، فقد تتحد الأسماء وتختلف المسميات، فعن أبي بكر بن حفص، قال: سمعت ابن محيريز، يحدث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أناسا من أمتي يشربون الخمر، يسمونها بغير اسمها"[4]، فهي خمر وإن سمَّوها تحررًا، وهي خمر وإن سمَّوها تجديدًا، وهي خمر وإن سمَّوها تنويرًا، وهي خمر وإن سمَّوها إصلاحًا وتغييرًا.

إن طريق نجاتنا واضح بيِّن لا لبس فيه، كما في حديث العرباض بن سارية، قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، قلنا: يا رسول الله، إن هذه لموعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ قال: " قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ومن يعش منكم، فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعليكم بالطاعة، وإن عبدا حبشيا عضوا عليها بالنواجذ، فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما انقيد انقاد"[5]، ففي هذه القاعدة الذهبية يبين النبي صلى الله عليه وسلم طريق النجاة عند ظهور الأقوال والآراء المختلفة المتباينة، وهو التمسك بالكتاب والسنة بفهم سلف هذه الأمة، وأما ما سوى ذلك فقد حذرنا منه، فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو رد»[6]، أي مردود على صاحبه غير مقبول منه، فكل من اخترع في ديننا ما لا يوجد في الكتاب أو السنة ولا يندرج تحت حكم فيهما أو كان يتعارض مع أحكامهما فهو باطل ومردود لا يعتد به، أفنستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟  

وقد أدرك الأئمة ذلك وما زالوا يرددون كلمة الإمام مالك الذهبية، فإنه لما قيل له: (إن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك [أي زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم] في اليوم مرة أو أكثر، وربما وقفوا في الجمعة أو في الأيام المرة أو المرتين أو أكثر عند القبر فيسلمون ويدعون ساعة، فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا، وتركه واسع، ولا يُصلِح آخرَ هذه الأمة إلا ما أَصلَح أولَها ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده)[7].

فمن لم يعِ هذه الكلمة ويعمل بها، فلا يزال يأتينا كل يوم بالعجائب، ويُحدِث في ديننا ما ليس منه، ومن هنا كان لزامًا علينا جميعًا أن ندرك حقيقة وخطورة هذا الدين الجديد المبدَّل، وأن نقف في وجهه صفًّا واحدًا، قيامًا بما أوجبه الله علينا من نصرته.

والله الموفق والمعين.



[1] صحيح البخاري (4/ 169/3456).

[2] المجالسة وجواهر العلم (2/ 273)، وقال الشيخ مشهور بن حسن: صحيح.

[3] صحيح البخاري (7/ 2/5063).

[4] مسند أحمد ط الرسالة (29/ 615/18073)، قال محققوه ومنهم الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح.

[5]مسند أحمد ط الرسالة (28/ 367/17142)، وقال محققوه ومنهم الشيخ شعيب الأرناؤوط: حديث صحيح بشواهده.

[6] صحيح البخاري (3/ 184/2697).

[7] الشفا بتعريف حقوق المصطفى - وحاشية الشمني (2/ 88).


  

عدد مرات القراءة 63
رابط المقال