لا تحقرن من المعروف شيئًا

لا تحقرن من المعروف شيئًا

26 شوال 1438هـ

 د. رشيد بن إبراهيم بوعافية

الحمد لله الكريم الفتاح، أهل الكرم والسماح، المجزل لمن عامله بالأرباح، سبحانه فالق الإصباح وخالق الأرواح. أحمده سبحانه على نِعَمٍ تتجدّد بالغُدوّ والرواح، وأشكره على ما صرف من المكروه وأزاح. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة بها للقلب انفساحٌ وانشراح، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي أُرسِل بالهدى والصلاح، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه و المقتدِين ما بدا نجمٌ ولاح.

ثم أما بعد:

أيها الإخوةُ في اللهنتذاكَرُ اليومَ قاعِدَةً أدبِيّةً منهجِيّةً لا تزالُ عليها أخلاقُ المُؤمِنِ حتّى يلقَى اللهَ جلّ في عُلاه: في صحيح الجامع (98) عن أبي جُرِيٍّ الهجيمي رضي الله عنه قال: إنَّا قومٌ من أهل البَادِيَة فعلمنا شيئا ينفعُنَا اللهُ به، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "((اتّقِ اللهَ ولا تحقِرَنَّ من المعروفِ شيئًا ولو أن تُفرِغَ من دَلْوِكَ في إناءِ المُسْتَسْقِي وأن تلقَى أخاك ووجهُكَ إليه مُنبسط ((اللهُ أكبر!. ما أحوجَنا اليومَ - معشر المؤمنين - إلى أسئلة أهل البادِيَة الواضِحة البسيطة، وإلى نفوسِ أهل البادِية الواضحة البسيطة!: "عَلّمنَا شيئًا ينفعُنَا اللهُ به"!. فجاءَ الجوابُ منه صلى الله عليه وسلم: العملُ بقدْرِه عند الله لا بقدره في عيون النّاس، والمعروفُ مهما كان حين يصادفُ صدقًا في النفوسِ يبلغُ عندَ اللهِ مبلغًا عظيمًا!.

إي واللهِ معشر المؤمنينجنَّةُ الرحمن تُنَالُ بإصابَةِ نفحاتِ الله وبقيمةِ العمل عند اللهِ لا بظاهِرِ قيمتهِ عند الناس: فبالعمل اليَسِير بُشِّر بلالُ بن رباح بالجنَّة؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((يا بلال، حدِّثني بأرجَى عملٍ عملتَه في الإسلام؛ فإنِّي سمعتُ دَفَّ نعلَيْك بين يديَّ في الجنَّة))، قال بلال: ما عمِلتُ عمَلاً أرجَى عندي منفعةً من أنِّي لا أتطهَّر طُهورًا في ساعةٍ ليلٍ أو نهارٍ، إلاَّ صلَّيتُ بذلك الطُّهور ما كتَب الله لي أنْ أصلِّي".

 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبيِّ صلى الله عليه وسلم)): "بينَما رجلٌ يمشِي بطريقٍ وجَد غُصنَ شوكٍ على الطريق  فأخَّرَه، فشَكَر اللهُ له فغُفِرَ له)) متفق عليه. وحدثنا أبو هريرة أيضًا عن حبيبنا صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: ((بينما كلبٌ يطيف برَكِيَّة قد كاد يقتُلُه العطَش، إذ رأَتْه بغيٌّ من بَغايا بني إسرائيل، فنزَعَتْ مُوقَها (أي: خُفَّهَافاستَقَتْ له به، فسقَتْه إيَّاه، فغُفِر لها به)) متفق عليه.

وهذا رجلٌ من الأُمَم السابقة نبَّأنا خبرَه نبيُّنا - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: ))تلقَّت الملائكة رُوحَ رجلٍ ممَّن كان قبلَكم، فقالوا: أعمِلتَ من الخير شيئًا؟ قال: لا، قالواتذكَّر، قال: كنتُ أُدايِن الناسَ فآمُر فِتياني أنْ يُنظِروا المُعسِر، ويتجوَّزوا عن المُوسِر، فقال الله عز وجل تجوَّزوا عنه )) متفق عليه.

بالعملِ الصّادِقِ اليسيرِ فازَت أمُّ مِحجَن رضي اللهُ عنها بصلاة رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ودعائِه لها، وهي المرأةُ السوداءُ البسيطَةُ المغمُورَةُ التي كانت تقُمُّ وتنظّف المسجد، لم يكن اسمُها تَتَدَاوَله الألسُن، ولم يكن عمُلَها محطَّ أنظارِ النّاس، ولكنَّه عملٌ قد أهمَّ هذه المرأةَ حتى فرَّغت له وقتَها، واستَفرَغت لأجلِه طاقتها بكلّ إخلاص، حتى ودَّعت دنياها، وفارَقتْ باللّيل، فبادَرُوا بتَجهِيزها، ثم الصلاةِ عليها ودفنوها ليلاً. دون أن يُخبِروا المصطَفَى صلى الله عليه وسلم.

 

مضَتْ أيَّام وأيَّام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرى هذه المرأة، فسأل عنها ؛ اهتِمامًا بها، وإكبارًا لشأنها، فأُخبِر بوَفاتها، فقال:

))أفلا كنتُم آذَنتُموني((، فكأنَّ الناس صغَّروا أمرَها، فقال صلى الله عليه وسلم: ((دلُّوني على قَبرِها؟))، فدلُّوه، فوقَف على قبرِها، وصلَّى عليها، ودعا لها وقال: ((إنَّ هذه القُبُور مملوءَةٌ ظلمَة على أهلِها، وإنَّ الله عز وجل يُنوِّرُها بصَلاتِي عليهم)) رواه مسلم.

 

أجَل - معشر المؤمنينالخيرُ مهما قَلَّ فهو عند الله محبوب، والجُهدُ مهما كان فهو عند اللهِ محفوظ، اغْرِسْ فَسَائِلَ الخيرِ بنِيّةٍ صادِقَةٍ واحتسابِ أجرٍ ودَعها على اللهِ فإنّ اللهَ لا يُضيعُ أجرَ المُحسِنِين. وفي مُحكَم التنزيل: ? وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ? [التوبة: 121]. نسأل الله السلامة والعافية، ونسأله التوفيق إلى ما يحب ويرضى، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

أيها الإخوةُ في الله:

أعمال المعروف الصغيرةُ في عين الناس كثيرةٌ جدًّا، ومن أفضلها عملٌ لا ينتبه إليه كثيرٌ من الناس حتّى الصالحين منهم، يظنُّونَهُ صغيرًا غيرَ ذي نفعٍ في الدنيا والآخرة، إنَّها الكلمةُ الإيجابيّةُ الطيّبة.

 

الكلمة الإيجابيّةُ الطيِّبة - معشر المؤمنين - سهلةُ المَنال، عظيمة النَّوال، بعيدة الأثَر؛ في ظاهرها واحدةٌ تنقضي، ولكنّها في الحقيقةِ  ? تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ? [إبراهيم: 25]. فبالكلمة الطيِّبة يتَّقي العبدُ نارَ الله الموقَدة؛ قال النبيُّصلى الله عليه وسلم: "اتَّقوا النارَ ولو بشِقِّ تمرةٍ، فمَن لم يجد فبكلمةٍ طيِّبة".

 

وبالكلمة الطيِّبة يكتُبُ الله لعَبدِه مَنازِل من الرِّضوان والجنان، وبالكلمة الطيِّبة فُتحَت مَغالِيق القُلُوب، وعادَ مُعرِضون تائِهُون إلى علاَّم الغُيُوب.بالكلمة الطيِّبة أسلَمَ واهتدَى كثيرون، فكانوا من خيار عباد الله المؤمنين.. محدِّث الشام الإمامُ البرزالي - رحمه الله - أطلَقَ كلمةً عابرة لتلميذه الذهبي، فقال له: "إنَّ خطَّك يُشبِه خَطَّ المحدِّثين"!، ففعَلتْ هذه الكلمة فِعلَها في نفْس الإمام الذهبي، فأقبَلَ على طلَب الحديث، حتى عُدَّ إمامًا في المُحدّثينوهكذا كلُّ كلمةٍ طيّبة!.

 

أيها الإخوةُ في اللهاجعلوا شعارَكم في هذه الحياة "لا تحقرَنّ من المعروف شيئًا". فكم تمرُّ بنا في حياتنا، في يومنا وليلتنا، في عَمَلِنا وطُرُقنا من أعمالٍ صالحات، ميسورات قريبات، نَمُرُّ بها ونحن عنها غافلون!.

 

فلا تبخَلوا على أنفسكم بابتسامة صادقة، أو كلمةٍ طيّبَة، أو هديَّة بسيطةٍ معبّرة، أو رفعِ أذيَّة من الطريق أو سدّ حُفرَةٍ صغيرَةٍ فيه، أو تنظِيفِ حَيٍّ غَفَلَ الجِيرانُ عنه و أهمَلُوه، افعل ولا تنتظِر شُكرًا من أحد، فربَّما كانت الجنَّةُ ثَم!.

 

لا تستَصغروا - عبادَ الله - ثوابَ الشَّفاعةِ الحسنة، ولا قَضاء حوائجِ النّاسِ البسيطة، ولا مُواسَاة مكلوم، أو تعزية مُصاب، أو تشييع جنازَة، أو عِيادَة المرضَى، أو إنظار المُعسِرين، وما يُدريكَ، لعلَّ مع ذلكَ العملِ سعادَتُك ونجاتُك في دُنياكَ وأخراك..

 

نسأل الله التوفيق إلى ما يحب ويرضى، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا،وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. وصلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.



http://www.alukah.net/sharia/0/108201/#ixzz4nNlJsn00


  

عدد مرات القراءة 50
رابط المقال