مأسسة العمل الاحتسابي

صادق محمد مهيوب الهادي

مأسسة العمل الاحتسابي

10 شوال 1438هـ

 مأسسة الأعمال بمعنى: بنائها على أساسٍ مؤسسي، لا يتأثر بذهاب أحدٍ، ولو كان الرأس، مما يزيد في إنتاجها وعطائها واستمرارها.

ومما ينبغي أن يكون عملاً مؤسسياً جماعياً، منظماً ومدروساً، عمل المحتسب، فهو أولى بذلك([1])، وبخاصة في ظل اتساع مهام المحتسب في المجتمع الإسلامي، حيث شملت أموراً عديدة، منها ما يتعلق بالجانب الأخلاقي، ومنها ما يتعلق بالجانب العقدي، ومنها ما يتعلق بالجانب الاجتماعي، وغيرها من الجوانب، وأيضاً في ظل تنوع المنكرات، واتساع المجتمعات، وحجم التحديات، وكثرة الشبهات والشهوات، مما يتطلب جهوداً متآزرة ومتعاونة، وجماعة قائمة، وخطط مدروسة منظمة، فليس يخفى أنَّ التنظيم من أُسس الحياة، فلو أنك وضعت حقائبك في صندوق سيارتك غير آبه بتنظيمها وترتيبها لما تحملها صندوقها، لكن لو نظمتها بذكاء، وحرصت على ملء فراغات الصندوق بصغارها لاستحملها، بل وزيادة، فهذا مثال يوضح مكانة التنظيم وفائدته.

وقد كان قديماً للمحتسب أعوان ومساعدون.

"وقد استدعت الشمولية في عمل المحتسب أن يعزز إدارته أيضاً بالنواب، ولا سيما في الأمصار الكبيرة، ذوات الضواحي الآهلة، والأسواق المزدحمة بخدم مسخرين، بمهمات تسيير أشغاله، وأعوان فنيين من وجوه أرباب الصنائع، الذين يستظهر بهم في هذه المهام؛ ليطلعوه على خفي أسرار أصحاب الحرف والتجارة؛ حتى لا يخفى عليه من أمور السوق كثير ولا قليل، ولا يستتر عليه من الأمر دقيق ولا جليل، وهؤلاء هم المساعدون، وهم الذين أصبح يطلق عليهم العرفاء"([2]).

وعن العرفاء واختيارهم كأعوان للمحتسب يقول الشيزري: "ولما لم تدخل الإحاطة بأصحاب السوقة -يعني: أصحاب الحرف والصناعات- تحت وسع المحتسب جاز له أن يجعل لأهل كل صنعة عريفًا من صالح أهلها، خبيرًا بصناعتهم، بصيرًا بغشوشهم، وتدليساتهم"([3]).

فلا يمنع أن تكون الحسبة عملاً رسمياً حكومياً، بل إنَّ ذلك من واجبات الدول الإسلامية، وهو مما يُحبذ، وتُشكر عليه الدولة إذا قامت به.

وقد استشكل البعض([4]) تحويل الحسبة إلى وظيفة يختص بها جهاز من أجهزة الدولة، ورأى أنَّ الحسبة يجب أن تكون للشعب والأمة، وأنَّها يجب أن تكون حسبة عامة، ولا تختزل بجهة رسمية؛ بل وزعم أيضاً أنَّ في ذلك اختطاف للاحتساب من الشارع، وتخصيصه لجهة معينة، وذَكَرَ أنَّ من الأصلح لجهاز الهيئة أن يكون إرشاداً، والاحتساب أن يكون سلطة مدنية بيد المجتمع.

ومن المبررات التي ذكرها -من وجهة نظره- وجود سلبيات كثيرة جراء ذلك، منها:

- أنَّ الاحتساب وظيفة الأمة، فلا ينبغي قصره على فئة محددة.

- أنَّ وضع الاحتساب كجهاز حكومي يسلبه القدرة على الاحتساب على الحاكم، أو ضد الحاكم.

- أنَّه لا يمكن تطبيق الاحتساب المدني في ظل دولة تُطبق الاحتساب الرسمي.

- أنَّ في تقديم الاحتساب بصورة دينية يجعل أخطاء المحتسبين تشوه صورة الدين، فالأفضل أن يكون جهاز مدني، مثل شرطة الآداب.

- أنَّ في ذلك مبرراً لاختطاف معنى الحسبة، وحشرها في قضايا محدودة، دون غيرها، كقضية الأعراض والأخلاق مثلاً، مع أنَّ الدين يقدم الحفاظ على الأنفس والعقل والمال على قضايا الأعراض والأخلاق.

ومع التسليم له بأنَّ الاحتساب وظيفة الأمة، وليس فئة محددة، إلا أنَّ هذا لا يمنع من أن يكون للحسبة جهاز رسمي، أو مؤسسة رسمية، أو مؤسسات غير رسمية، تقوم بتنظيم عمل الحسبة، وترتيباتها الإدارية، ويكون عملها موازياً جنباً إلى جنب مع احتساب الأمة كلها.

إذ "لم يعد اليوم مجالاً للنزاع -في الساحة الفكرية على الأقل -أنَّ العمل المؤسسي خير وأولى من العمل الفردي الذي لا يزال مرضاً من أمراض التخلف الحضاري عند مجتمعات المسلمين، وقد يرث الدعاة إلى الله شيئاً من هذه الأمراض من مجتمعاتهم، باعتبارهم نتاجاً لها"([5]).

فالعمل المؤسسي يمتاز بمزايا عدة على العمل الفردي، منها:

1 - أنَّه يحقق صفة التعاون والجماعية التي حث عليها القرآن الكريم، والسنة النبوية، قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة (2)] وقال -صلى الله عليه وسلم-: ((يد الله مع الجماعة))([6])، والعبادات الإسلامية تؤكد على معنى الجماعية والتعاون، كل ذلك يبعث رسالة للأمة مفادها أنَّ الجماعة هي الأصل.

2 - عدم الاصطباغ بصبغة الأفراد، ذلك أنَّ العمل الفردي تظهر فيه بصمات صاحبه واضحة، فضعفه في جانب من الجوانب، أو غلوه في آخر، أو إهماله في ثالث لا بد أن ينعكس على العمل، وقد يقبل بقدر من الضعف والقصور في فرد، باعتبار أنَّ الكمال عزيز، والبشرية صفة ملازمة للعمل البشري، لكن لا يقبل المستوى نفسه من القصور في العمل الجماعي المؤسسي، وإن كان لا بد فيه أيضاً من قصور.

3 - الاستقرار النسبي للعمل، أما العمل الفردي فيتغير بتغير اقتناعات الأفراد، ويتغير بذهاب قائد، ومجيء آخر، يتغير ضعفاً وقوة، أو مضموناً واتجاهاً.

4 - يمتاز العمل المؤسسي بالقرب من الموضوعية في الآراء أكثر من الذاتية؛ ذلك أن جو المناقشة والحوار الذي يسود العمل المؤسسي يفرض على أصحابه أن تكون لديهم معايير محددة وموضوعية للقرارات، وهذه الموضوعية تنمو مع نمو النقاشات والحوارات، أما العمل الفردي فمرده قناعة القائم بالعمل.

5 - العمل المؤسسي أكثر وسطية من العمل الفردي؛ إذ هو يجمع بين كافة الطاقات والقدرات التي تتفاوت في اتجاهاتها وآرائها الفكرية مما يسهم في اتجاه الرأي نحو التوسط غالباً، أما العمل الفردي فهو نتاج رأي فرد وتوجه فرد، وحين يتوسط في أمر يتطرف في آخر.

6 - الاستفادة من كافة الطاقات والقدرات البشرية المتاحة، فهي في العمل الفردي مجرد أدوات للتنفيذ، تنتظر الإشارة والرأي المحدد من فلان، أما في العمل المؤسسي فهي طاقات تعمل وتبتكر، وتسهم في صنع القرار.

7 - العمل المؤسسي هو العمل الذي يتناسب مع تحديات الواقع اليوم، فالأعداء الذين يواجهون الدين يواجهونه من خلال عمل مؤسسي منظم، تدعمه مراكز أبحاث وجهات اتخاذ قرار متقدمة، فهل يمكن أن يواجه هذا الكيد بجهود فردية؟! بل إن العمل التجاري المؤسسي اليوم أكثر نجاحاً من العمل الفردي.

كل ما سبق يؤكد قيمة العمل المؤسسي، وضرورة ممارسته وتجاوز الفرديات، وهذا لا يعني بالضرورة أنَّ العمل المؤسسي معصوم من الخطأ والخلل، لكن فرص نجاحه أكثر من العمل الفردي، واحتمال الخلل في العمل الفردي أكثر منه في العمل المؤسسي ([7]).

أما إدعاء أنَّ جعْل الاحتساب جهاز حكومي يسلبه القدرة على الاحتساب ضد الحاكم، فإننا نقول: إنَّ الشرع قد بيَّن الاحتساب على الحاكم، وحدوده، وضوابطه، فيُتْبع الشرع في ذلك، سواء كان المحتسب رسمياً، أو متبرعاً، فالكل مأمور باتباع الشرع، الأمير والمأمور، ومأمور أيضاً باتباع آداب النصيحة، وآداب الأمر والنهي على الحاكم، فلا إشكال في هذا أبداً، فإنَّ الإشكال يكون عند مخالفة الشرع في ذلك، أما لو التزم الجميع بآداب الشرع، فلا يكون ثمة مشكلة ألبتة.

وأما القول: إنَّه لا يمكن تطبيق الاحتساب المدني في ظل دولة تُطبق الاحتساب الرسمي، فلا نرى أنَّ هناك تعارضاً أبداً في ظل دولة قائمة بالإسلام، وهي التي أسست جهاز الحسبة ومؤسساته، بل يفترض التكامل والتعاون، لا التعارض والتنافر؛ لأن الكل هدفه خدمة الإسلام، والحفاظ على حدوده وآدابه.

وأما القول: إنَّ في تقديم الاحتساب بصورة دينية يجعل أخطاء المحتسبين تشوه صورة الدين، فنقول: إنَّ هذه سنة الله في الدعوة والدعاة إلى الله والمحتسبين عبر التاريخ، فإنهم يلمزون، ويُتكلم فيهم، وتضاف إليهم الأخطاء والتهم، حتى الأنبياء ما سلموا من هذا، فكيف يسلم هؤلاء؟! وليس الحل في جهاز مدني بدلاً من الهيئة، حتى لا يتشوه الدين كما قال.

وأما القول: إنَّ في ذلك مبرراً لاختطاف معنى الحسبة، وحشرها في قضايا محدودة، دون غيرها، كقضية الأعراض والأخلاق مثلاً.

فإننا ندعو إلى أن تكون الحسبة شاملة لجميع الجوانب، لكن بضوابطها الشرعية، مع مراعاة المصالح والمفاسد، المترتبة على الاحتساب في كل جانب.

كما نقول: إنَّ جانب الأخلاق والأعراض جانبٌ مهمٌ فلا ينبغي التقليل منه ومن خطره، فبسببه هلكت أممٌ كثيرة، والسعي في الحفاظ على الأخلاق والأعراض من مقاصد الحسبة الكبرى؛ ولعل الاهتمام به من قبل المحتسبين سببه أنَّه من الجوانب الظاهرة لهم، والتي لا ينبغي السكوت عنها, وعلى فرض أنَّه حصل التركيز على جانب معين من الجوانب، أو نوع معين من المنكرات، فإنَّه غير مقصود غالباً، وإنما يفعل المحتسب جهده، مراعياً المتاح، والجوانب التي ليست فيها مفاسد أكبر من المصالح التي يرجوها، والله أعلم.



([1]) وهذا لا ينافي كون الاحتساب تكليفاً ربانياً، يقوم به المسلمون جميعاً.

([2]) انظر: الحسبة - جامعة المدينة (ص: 109).

([3]) نهاية الرتبة الظريفة في طلب الحسبة الشريفة، للشيزري (ص: 12).

([4]) منهم الدكتور: محمد العبد الكريم، في كتابه: (الاحتساب المدني: دراسة في البناء المقاصدي للاحتساب).

([5]) أرشيف منتدى الألوكة (2) من مقال: (بين العمل المؤسسي والعمل الفردي) لعبد الله المسلم.

([6]) أخرجه الترمذي، ت: شاكر، في أبواب الفتن، باب ما جاء في لزوم الجماعة (4/466-2167) وقال الألباني في صحيح سنن الترمذي (5/167): صحيح.

([7]) انظر: أرشيف منتدى الألوكة (2) من مقال: (بين العمل المؤسسي والعمل الفردي) لعبد الله المسلم.


  

عدد مرات القراءة 54
رابط المقال