المحتسب وسوء الظن بالناس

صادق محمد مهيوب الهادي

المحتسب وسوء الظن بالناس

20 ذو القعدة 1439هـ

من الأمور التي يجب أن يتفطن لها المحتسب: ترك الظن السيئ بالناس، والشكوك فيهم؛ لأنه إذا ساء ظنه ساءت علاقته بهم، وأثّر ذلك على احتسابه ونفسيته، وذهب يتجسس من أجل أن يتحقق من ظنه، وهذا أمر محظور، إلا في حالات نادرة.

"والشيطان يقرب على قلب الإنسان مساوئ الناس، بأدنى مخيلة، ويلقي إليه أن هذا من فطنته، وسرعة ذكائه، وأن المؤمن ينظر بنور الله، وهو على التحقيق ناظر بغرور الشيطان، وظلمته، نعم إن أخبره به عدل فظن صدقه عذر؛ لأن تكذيبه سوء للظن به، فلا ينبغي أن يحسن ظنه بواحد، ويسيئه بآخر، لكن يبحث عما قد يكون بينهما من عداوة وحقد، مما تتطرق التهم بسببه...، وسوء الظن حرام، كسوء القول، وكما يحرم أن تحدث غيرك بمساوئ إنسان يحرم أن تحدث نفسك بذلك"([1]).

قال النووي: "وليس للآمر بالمعروف البحث والتنقير والتجسس، واقتحام الدور بالظنون"([2]).

وقال الماوردي: "ولا يؤاخذه بالتهم ولا بالظنون"([3]).

كما أن إساءة الظن بالناس من سوء الخُلق، يقول المناوي: "ومن أساء الظن بمن ليس محلاً لسوء الظن به، دلّ على عدم استقامته في نفسه، كما قيل:

إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه *** وصدق ما يعتاده من توهم([4])."([5]).

وقال ابن القيم: "وأما سوء الظن فهو امتلاء قلبه بالظنون السيئة بالناس، حتى يطفح على لسانه وجوارحه، فهم معه أبداً في الهمز، واللمز، والطعن، والعيب، والبغض ببغضهم ويبغضونه، ويلعنهم ويلعنونه، ويحذرهم، ويحذرون منه"([6]).

فمن الآداب الشرعية والقلبية: ألا يبني المحتسب حكماً بمجرد الظن والتخمين، وهكذا فهم السلف هذا الأمر، فقد قال ابن مسعود: "إن يظهر لنا شيء نأخذ به"([7]). وقال مجاهد: "خذوا ما ظهر لكم، ودعوا ما ستر الله"([8]).

وقال ابن عطية: "وما زال أولو العلم يحترسون من سوء الظن، ويسدون ذرائعه، قال سلمان: إني لأعد غراف قدري مخافة الظن...، وكان أبو العالية يختم على بقية طعامه مخافة سوء الظن بخادمه([9]).

وقال ابن مسعود: "ما يزال الذي يُسرَق يسيء الظن، حتى يكون أعظم إثماً من السارق"([10]).

وجاء في الحديث: "إذا ظننت فلا تحقق"([11]). والمعنى: إذا ظننت بأحد سوءاً، فلا تحققه بقول ولا فعل.

وفي الحديث: "إياكم والظن"([12])، أي: احذروا من سوء الظن بالناس، واعتقاد الشر فيهم، واتّهامهم بالأعمال القبيحة دون دليل.

والله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ} [الحجرات: 12] فلا يحل لمسلم أن يتهم أخاه صيانة لأعراض الناس، وتأمينًا لهم من سوء السمعة بدون مقتض، ومنعاً للعداوة، وآثارها.

قال القرطبي: "الظن هنا هو التهمة، ومحل التحذير والنهي إنما هو تهمة لا سبب لها يوجبها، كمن يتهم رجلاً بالفاحشة، أو بشرب الخمر، ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك"([13]).

ويُفهم من النهي عن كثير الظن أنه يجوز بعضه؛ وذلك إذا وجدت أَمارة تقتضيه، يقول القرطبي: "والذي يميز الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها، أن كل ما لم تُعرف له أمارةٌ صحيحة، وسببٌ ظاهر، كان حراماً، واجب الاجتناب؛ وذلك إذا كان المظنون به ممن شوهد منه الستر، والصلاح، وأونست منه الأمانة في الظاهر، فظن الفساد به، والخيانة محرم، بخلاف من اشتهره الناس بتعاطي الريب، والمجاهرة بالخبائث"([14]). فالنهي هو عن ظن السوء بالمسلم السالم في دينه وعرضه، أما من أظهر فسقه، وهتك ستره، فقد أباح عرضه للناس، ومنه ما روي: "من ألقى جلباب الحياء، فلا غيبة له"([15]).

كما أنه ليس المراد بالنهي عن الظن: الظن الموجب للحذر، والذي عناه الشاعر بقوله:

لا يكن ظنك إلا سيئاً *** إن سوء الظن من أقوى الفطن([16]).

وروي عن عمر: "إن من الحزم سوء الظن بالناس"([17]). وكذا روي عن الحكم بن عبد الله([18])، وعن مطرف([19]).

فهذا سوء ظنٍ على وجه الحذر، فيُحمد، قال البغوي: "فأما استعمال سوء الظن إذا كان على وجه الحذر، وطلب السلامة من شر الناس، فلا يأثم به الرجل"([20]).

وعن الحسن: "كنا في زمان الظن بالناس حرام، وأنت اليوم في زمان اعمل واسكت، وظنّ بالناس ما شئت"([21]).

ومما يُلحق بذلك: ما كان في مقام التحذير، وقد بوّب البخاري: (باب ما يجوز من الظن) وذكر قوله النبي: "يا عائشة ما أظن فلاناً وفلاناً يعرفان ديننا الذي نحن عليه"([22])، فهذا في مقام التحذير، وقد قال ابن عمر: "كنا إذا فقدنا الإنسان في صلاة العشاء الآخرة والصبح أسأنا به الظن"([23]).

قال الحافظ: "ومعناه: أنه لا يغيب إلا لأمر سيئ، إما في بدنه، وإما في دينه"([24]).

ومن حسن ظن المسلم بالله: أن يحسن الظن بالناس، فإن الإنسان أحياناً إذا رأى بعض الناس على معصية أساء الظن به، وظن أن الله لن يرحمه، فيرى هذا العاصي كالعدو له، وتأتي منه له أفعال وأقوال تدل على الغلظة والجفاء، وهي ناجمة عن حالة نفسية تصورها؛ وهي أن هذا الرجل معذب لا محالة، وهذا من سوء الظن بالله القائل: {كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام:12].

والمقصود: أنه ينبغي للمحتسب: ألا يظن بالناس السوء، ومن مقتضى الإيمان ظن المؤمنين بأنفسهم خيراً، كما قال تعالى: {ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً} [النور: 12].

فسوء الظن بنفس الإنسان أولى من سوء ظنه بالغير؛ وذلك لأنه من نفسه على بصيرة، وليس هو من غيره على بصيرة.

وأما عمل المحتسب بالظن الغالب فيجوز، قال ابن الأخوة: "يجوز للمحتسب أن يحكم بغلبة الظن"([25]).

 



([1]) فيض القدير (1/ 400).

([2]( شرح النووي على مسلم (2/ 26).

([3]( الأحكام السلطانية (ص: 360-361).

(([4] للمتنبي، شرح ديوان المتنبي للواحدي (ص: 323).

([5]) فيض القدير (1/ 330).

([6]) الروح (ص: 238).

([7]) سنن أبي داود في الأدب، باب في النهي عن التجسس (4/ 272-4890) وقال الألباني: "صحيح الإسناد".

(([8] تفسير الطبري (22/ 304).

([9]) التفسير (5/ 151).

([10]) شرح السنة للبغوي (13/ 111).

([11]) المعجم الكبير (3/ 228-3227) وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (7/ 1650): "فإني أميل إلى ثبوت الحديث لشواهده".

([12]) البخاري في الأدب، باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر (8/ 19-6064) ومسلم في البر والصلة، باب تحريم الظن والتجسس والتنافس (2563).

([13]) المفهم (21/80).

([14]) التفسير (16/ 331-332).

([15]) رواه البيهقي في الكبرى (10/ 354-20915) وقال: وهذا أيضاً ليس بالقوي".

([16]) البيت للشافعي: انظر: مجمع الحكم والأمثال (6/ 391).

([17]) تاريخ المدينة لابن شبة (3/ 801).

([18]) شعب الإيمان (6/ 374-4356)

([19]) حلية الأولياء (2/ 210).

([20]) شرح السنة (13/ 111).

([21]) فتوح الغيب (14/ 498).

([22]) البخاري في الأدب، باب ما يكون من الظن (8/ 19-6068).

([23]) صحيح ابن خزيمة (2/ 370).

([24]) فتح الباري (10/ 486).

([25]) معالم القربة (ص: 219).


  

عدد مرات القراءة 49
رابط المقال