الحسبة بين المدارة والمداهنة

الحسبة بين المدارة والمداهنة

13 ذو القعدة 1439هـ

المدارة والمداهنة في الحسبة خُلقان نقيضان، يخطئ كثيرٌ من المحتسبين في فهمهما، وتطبيقهما معاً، فقد يظنُّ من لم يمعن النظر أن المدارة هي المداهنة؛ وذلك غلطٌ لأن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا، أو الدين، أو هما معاً، وهي مباحة، وربما استحبت، والمداهنة: ترك الدين لصلاح الدنيا، وهي محرمة.

وقد بيّن العلماء الفرق بينهما، فقالوا: بأن المداهنة هي معاشرة الفاسق، وإظهار الرضا بما هو فيه، من غير إنكار عليه، وقيل: إن المداهنة هي ترك ما يجب لله من الغيرة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتغافل عن ذلك لغرض دنيوي، أو هي المعاشرة والاستئناس للمنكرات، دون إنكار، مع القدرة.

بينما المدارة: خفض الجناح للناس، ولين الكلمة، وترك الإغلاظ لهم في القول؛ وذلك من أسباب الاستجابة والألفة، وسل السخيمة.

يقول ابن بطال:

"والفرق بينهما بيّن؛ وذلك أن المداهنة اشتق اسمها من الدهان، الذي يظهر على ظواهر الأشياء، ويستر بواطنها، وفسرها العلماء فقالوا: المداهنة هي أن يلقى الفاسق الـمُظهِر، فيؤالفه ويؤاكله، ويشاربه، ويرى أفعاله المنكرة، ويريه الرضا بها، ولا ينكرها عليه، ولو بقلبه، وهو أضعف الإيمان، فهذه المداهنة التي برَّأ الله عز وجل منها نبيه عليه السلام، بقوله: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [القلم: 9].

والمدارة هي الرفق بالجاهل الذي يستتر بالمعاصي، ولا يجاهر بالكبائر، والمعاطفة في رد أهل الباطل إلى مراد الله، بلين ولطف، حتى يرجعوا عما هم عليه"([1]).

وقال الحافظ: "والمدهن والمداهن واحد، والمراد به من يرائي، ويضيع الحقوق، ولا يغير المنكر"([2]).

فلا تعني المدارة إذاً: مسايرة المبطل، والتغاضي عن باطله، أو التهوين من شناعة معاصيه، ولا الرضا بها، والارتياح لها، أو التودد إلى الفساق ومجاملتهم، أو السكوت عنهم باسم المدارة والتغاضي والتسامح والمرونة.

ولا تعني أيضاً: الثناء على الفاسق بما ليس فيه، فإن ذلك كذب لا يجوز إلا لضرورةٍ أو إكراه، بل لا يجوز الثناء على كل كلام باطل، ولا التصديق، ولا تحريك الرأس في معرض التقرير، فإن فعل ذلك فهو مُداهن، بل ينبغي أن يُنكِر، فإن لم يقدر فيسكت وينكر بقلبه.

ولا تعني: شهود مجالس الباطل واللغو، ومداهنة أهلها، ولا السكوت عما يدور فيها لمن حضرها، إلا لمن سينكر عليها، أما السكوت عما فيها فهو من المداهنة المحرمة.

كما أنه في المقابل ليس من المداهنة: الرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله، وترك الإغلاظ عليه، إذا لم يكن مظهراً لمنكره، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولا سيما إذا احتيج إلى تألفه، أو كان له حق، كالوالدين، والمعلِّم؛ فإن ذلك من الرفق الذي ينفع كثيراً، ومن ثمة قيل:

اتسعت دار من يداري *** وضاقت أسباب من يماري

وليس منها: غشيان مجالس الباطل بنية الإصلاح، وتغيير المنكر، أو تخفيف الشر، والأخذ بسنة المداراة، والتلطف مع أهل المجلس، والإنكار عليهم برفق، والأخذ بأيديهم إلى ما فيه نجاتهم، مراعياً بذلك الحكمة، متجنباً ما يُشعر بغضبهم، أو ملالتهم، فإن هذا عمل محمود.

وقد كان من خُلق السلف المدارة، لا المداهنة، يُذكر عن أبي الدرداء: "إنا لنكشر([3]) في وجوه أقوام، وإن قلوبنا لتلعنهم"([4]).

وعن عَائِشَةَ، أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَقَالَ: "ائْذَنُوا لَهُ، فَبِئْسَ ابْنُ العَشِيرَةِ - أَوْ بِئْسَ أَخُو العَشِيرَةِ - فَلَمَّا دَخَلَ أَلاَنَ لَهُ الكَلاَمَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْتَ مَا قُلْتَ، ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ فِي القَوْلِ؟ فَقَالَ: أَيْ عَائِشَةُ، إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ تَرَكَهُ - أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ - اتِّقَاءَ فُحْشِهِ"([5]).

وجاء أنه أُهدي للنبي أقبية من ديباج، فقسمها في ناس من أصحابه، وعزل منها واحداً لمخرمة، فلما جاء قال: "قد خبأت هذا لك" قال أيوب: "وكان في خلقه شيء"([6]). أي: نوع من الشكاسة"([7]).

وللأسف فقد وقع الإدهان في زماننا من كثير من الناس، وكثير من المدهنين يضمون إلى الإدهان معصية أخرى، وهي الوقيعة في أعراض الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وربما ضم بعض المدهنين إلى المعصيتين المذكورتين معصية ثالثة، وهي المجادلة عن العصاة، أو تزكيتهم([8])، وكل هذا مما يجب اجتنابه، فينبغي للمسلم المحتسب الحريص على آخرته، الحريص على إخوانه المسلمين العمل بالمدارة ما أمكن، واجتناب المداهنة.

والله الموفق.

 



([1]) شرح صحيح البخاري لابن بطال (9/ 306).

([2]) فتح الباري لابن حجر (5/ 295).

([3]) من الكشر وهو ظهور الأسنان، وأكثر ما يكون عند الضحك وهو المراد هنا. انظر: تعليق د. مصطفى البغا على صحيح البخاري.

([4]( صحيح البخاري (8/ 31).

(([5] صحيح البخاري (8/31- 6131).

([6]) صحيح البخاري (8/ 31-6132).

([7]) عمدة القاري شرح صحيح البخاري (22/ 172).

([8]) انظر: القول المحرر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، للتويجري (ص: 21-22) بتصرف.


  

عدد مرات القراءة 62
رابط المقال