شبكات التواصل الاجتماعي: ضوابط وحدود

شبكات التواصل الاجتماعي: ضوابط وحدود

21 شوال 1439هـ

د. محمد ويلالي

 لا شَكَّ أن الإسلام دينُ التواصُل بامتياز؛ فقد قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ? [الحجرات: 13]، ومهمة التبليغ التي تقلَّدها النبي صلى الله عليه وسلم تعتمد على التواصُل الإيجابي مع المدعُوين؛ كما قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ? [الأحزاب: 45].

 

وكما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتواصل شفويًّا، فقد تواصَل أيضًا كتابيًّا؛ قال أنس رضي الله عنه: "كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى، وإلى قيصر، وإلى النجاشي، وإلى كل جبَّارٍ يدعُوهم إلى الله تعالى"؛ مسلم.

 

وكتب معاوية إلى المغيرة بن شُعْبة أن اكتُبْ إليَّ بشيءٍ سمِعْتَهُ من النبي صلى الله عليه وسلم، فكتب إليه: سمِعْتُ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنَّ اللهَ كَرِهَ لكم ثلاثًا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال))؛ متفق عليه.

 

أما الضوابط الشرعية لتقنين التعامُل مع هذه المواقع فكثيرةٌ، يمكن إجمالُ أهمِّها في اثني عشر ضابطًا:

1- النيَّة الحسنة التي تتقصد النفع للغير، وتحقيق مصلحته، لا التشويش عليه، وإهدار أوقاته؛ قال تعالى: ?لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ? [النساء: 114]، و((إنما الأعمال بالنيات...))؛ متفق عليه.

فأخْلِص النِّيَّةَ في اقْتِنائها                   واغْنَمْ رِضا الرَّحْمنِ من جَرَّائِها

بِنَشْرِكَ المقاطِعَ المفيدهْ                       في الفِقْهِ والآدابِ والعَقِيدهْ

 

فلا بُدَّ أن تُصاحِبَ التواصُلَ الغايةُ النبيلةُ، والنيَّةُ الطيِّبةُ، والوسيلةُ النظيفةُ، أما أن يكون القصد مجرد الثرثرة الفارغة، وضياع الأوقات الثمينة، واستفزاز الآخرين بالألفاظ الشائنة، وتتبُّع العَورات المصونة؛ فذلك ممَّا يستقبحه شرعُنا، ويَمجُّه دينُنا: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ? [الحجرات: 10].

 

2- ألَّا تكون هذه المواقع سببًا في الإشغال عمَّا هو أهمُّ؛ كالعبادات، ورعاية الأبناء، وطاعة الأبوَينِ، وطلب العلم النافع، وصِلة الأرحام، وغيرها، ومن جميل ما يدلُّ على ذلك، ما رواه عبدالله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتَّخذ خاتمًا فلَبِسَه؛ فقال: ((شَغَلَني هذا عَنْكُمْ منذ اليوم، إليه نَظْرةٌ، وإليكم نَظْرةٌ))، ثم ألقاه"؛ صحيح سنن النسائي.

 

هذا مجرد خاتم أخذ النَّظَرُ إليه من وقت الرسول صلى الله عليه وسلم ما شغله عن دعوة أصحابه، فكيف بهذه البرامج الجذَّابة التي تأخُذ بالألباب، وتدخل على المستعمل مِن كلِّ باب؟!

ترى رؤوسَ القَوْمِ دَوْمًا مُطْرِقهْ *** على الجهاز والعُيُون مُحْدِقهْ

 

فقد صرنا نرى بعض الأُسَرِ قد انْزَوى أفرادُها في الغُرَف، كلٌّ مُنْشَغِلٌ بهاتفه، أو بلوحته، أو بحاسوبه، لا الآباء يجدون وقتًا لتوجيه أبنائهم، ولا الأبناءُ يجدون وقتًا للاستماع لآبائهم، كلٌّ يعيش عالمه، ويُكلِّم نفسَه، ويُناجي آلتَه، وربَّما انتهى الأمرُ ببعضهم إلى القبوع في مراكز علاج الإدمان التي أُنْشِئَتْ في العديد من الدول.

 

3- ومن أعظم الضوابط لاستعمال هذه البرامج - التثبُّت من نَقْل الأخبار بقراءتها أولًا، ثم التأكُّد من صحَّتها، وصحة نسبتها لقائلها؛ حتى لا نُروِّج للأكاذيب، ولا ننشُر الأراجيفَ، ولا نكون سببًا في نَشْر الهَلَع والخوف بين الناس، بسبب خبرٍ زائفٍ، أو تحذيرٍ كاذبٍ؛ قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ? [الحجرات: 6].

 

وإن إرسال الرسائل من غير تثبُّت مظنَّةٌ للكذب والزُّور، ولو مِن غير قصدٍ، وبخاصة حينما تَصْدُر الرسالةُ ممَّن يثق الناسُ به، فيعتقدون صِحَّتَها من غير سؤالٍ عن حقيقة محتواها؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((كَفَى بالمرءِ كَذِبًا أن يُحدِّثَ بكُلِّ ما سَمِعَ))؛ مسلم.

 

قال النووي رحمه الله: "فيه الزَّجْر عن التحديث بكُلِّ ما سمِعَ الإنسانُ، فإنه يسمع في العادة الصِّدْق والكذب، فإذا حدَّثَ بكُلِّ ما سمِعَ، فقد كذب؛ لإخباره بما لم يكُن".

إنَّ طُولَ الصَّمْتِ خيرٌ للفَتى *** مِنْ مَقالٍ فيه عِيٌّ وبَكَمْ

 

قال قتادة رحمه الله: "لا تقل: رأيتُ ولم تَرَهُ، وسمِعْتُ ولم تسمَعْه، وعلِمْتُ ولم تَعْلَمْه".

 

وقال عمر رضي الله عنه: "إيَّاكم والفِتَنَ، فإن وَقْعَ اللِّسان فيها مثلُ وقْعِ السيف".

فكَمْ أفْسَدَ الرَّاوي كَلامًا بِنَقْلِه *** وكَمْ حَرَّفَ المنْقُولَ قَوْمٌ وصَحَّفُوا

 

وقد شاعت أخبارٌ كاذبةٌ يقصد أصحابُها تشويه صورة الإسلام، وإحداث الفِتَن بين الناس، وشغلهم عمَّا خُلِقُوا من أجله؛ مثل: قصة الشاب الذي فتحوا قبرَه بعد ثلاث ساعات، فوجدوه مُتفحِّمًا من أثر عذاب القبر، وليست صورتُه سوى صورةِ جُثَّة فتاة احترقَتْ في حادثٍ، وقصة رائد الفضاء أرمسترونغ الذي أُشِيعَ عنه أنه سمِعَ الأذان على سطح القمر فأسلَم، وقد عقد هو نفسه مؤتمرًا صحفيًّا نفى فيه هذا الخبر جملةً وتفصيلًا، ومن ذلك نشرهم صورةً وهميَّة من داخل قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وقبر هابيل، وكل ذلك مزوَّر ملفَّق، لا أساس له من الصِّحة، ومن ذلك الأخبار حول احتراق جُثَّة الرسَّام الدانماركي المستهزئ بالنبي صلى الله عليه وسلم في رسوماته، وقد ظهر عدة مرات في وسائل الإعلام بعد ذلك.

 

ومن هذا الكذب السافر انتحالُ صفات غير حقيقية، أو ادِّعاء أسماء ووظائف مكذوبة، أو تقمُّص شخصيات غير واقعية، كالمرأة تنتحل صفة الرجل، والرجل ينتحل صفة المرأة، أو التاجر ينتحل صفة أستاذ، أو الموظف ينتحل صفة رجل الأعمال، وغير ذلك من الأكاذيب التي لا يُقصَد بها سوى إيقاع الطرف الآخر في الوهم، أو التحايُل عليه؛ إما لزواج مشبوه، أو تجارة وهميَّة، أو طلب تشغيل مُزيَّف، وغير ذلك.

انْتَقِ ما يفِيدُ مِنْ مَنْقُولِكا                وَضَمِّنَ الْحِكْمةَ في مَقُولِكَا 

وكُنْ لِما تَنْقلُه مُحقِّقًا                      مُراجِعًا ألفاظَهُ مُدَقِّقَا

4- تجنَّب السخرية بالأشخاص، ووضع الصور الكاريكاتورية المشوِّهة لهم؛ لأنه من باب تغيير خَلْق الله، وتشويه صورة الإنسان التي خلَق الله تعالى عليها عِبادَه، وبخاصَّةٍ حينما تصحبُها التعليقات المضحكة، والألفاظ الساخرة، والألقاب النابزة، والعبارات اللامزة التي تزيد من تشويه الصورة، وتُمعن في إضحاك الناس منها؛ يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ? [الحجرات: 11]، قال ابن كثير رحمه الله: "وهذا حرام؛ فإنه قد يكون المحتقَر أعظمَ قدرًا عند الله، وأحَبَّ إليه من الساخر منه المحتقِر له"، وهذا لا شَكَّ من البذاءة التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: ((ليس المؤمِنُ بالطَّعان، ولا اللَّعَّان، ولا الفاحِش، ولا البذيء))؛ صحيح سُنَن الترمذي.

 

5- التحفُّظ الشديد من نَشْر الصور الشخصية، وصور أفراد الأسرة؛ ممَّا قد يفضَح الأسرار، ويَهتِك الأستار، حين تتسرَّب الصُّورُ من الصِّغار، تظهر الأُمَّهات في أوضاع بائسة، ومن الأزواج تظهر الزوجات مُتبرِّجات بزينة، ومن الصديقات بنشر صور صديقاتهنَّ في الأماكن المشبوهة، ومن الأقارب بنشر صور الحفلات والأعراس، وفيها مِن العفيفات مَنْ يَتَحفَّظْنَ مِن نشر صورهنَّ مُتزيِّنات، وبخاصة إذا تدخَّلت يدُ الفوتوشوب، فزادت من التشويه والتمييع!

 

وقد يعثر أحدُهم على صورٍ لا يرتضيها أصحابُها، قد سترها الله عليهم، فيَنثُرُها على صفحات هذه المواقع، وبخاصة حين تُصحَب بعبارات كاذبة، أو نعوت مُغْرِضة.

 

وكم أدَّى هذا التصرُّف البئيس إلى حالات من الخصومة، ترتقي أحيانًا إلى حالات من المشاجرة والمعاركة بين الأصدقاء أو الجيران، وإلى صور من الطلاق بين الأزواج، وقد صارت هذه المواقع مسؤولةً عن 50% منها في إحدى البلاد العربية؟!

 

6- ترشيد الوقت، والحذر من الانغماس وراء تتبُّع الصفحات التي تُفضِي بالمستعمل إلى صفحات أخرى، وهذه تُحيلُه على موضوعات أخرى، وهذه تُبحِر به في عوالم أخرى، فيجد الساعات ذوات العدد قد انفلتَتْ منه وهو لا يدري، حتى وجدنا من الشباب من يستمرئ قضاء ست ساعات متواليات خلف شاشة الهاتف، وقد ينام وهاتفُه بين يديه، ويستيقظ وهو بين يديه، ثم مع ذلك نُلْفِيه يستثقل قراءة القرآن الكريم نصف ساعة في اليوم، وقد صرح أحد الشباب بأن أحد هذه المواقع يستحوذ على 70% من حياته.

 

وفي دراسة أكاديمية لنيل شهادة الماستر أُجْرِيَتْ على عيِّنة من الأزواج في بلد عربي، تبيَّنَ أن 90% منهم لهم حساب في موقع تواصُلِي مشهور (الفيس بوك)، وأن 32% منهم يقضون معه ثلاث ساعات في اليوم، في حين يقضي معه 40% أربع ساعات فما فوق، وأكثر من 32% ساءَتْ علاقاتُهم مع زوجاتهم بعد استعمال الحساب، وعبَّر 28% منهم عن استعمالهم الموقِعَ لتَتَبُّع الأخبار، و22% لملء الفراغ، و18% للتواصُل مع الأصدقاء، ولكن الخطير أن 32 %منهم يستعملونه لإقامة علاقات مع الجنس الآخر، كما تبيَّنَ أن 21.5% يستعملونه في المقهى، و32% في العمل، و36% في البيت، وأن 43% يستعملونه ليلًا.

 

كما لُوحِظَ أن وقت تجاذُب الحديث مع أفراد الأسرة نقص بنسبة 50%، وأن 65% من الأزواج لم يعودوا يُقدِّمُون هدايا لزوجاتهم في المناسبات، كما صار الموقِع يتسبَّب في المشاكل الأُسريَّة بنسبة 61%. وصدق من قال: إن شبكات التواصُل قَطَعَتْ التواصُل، وكل هذا يستدعي إعادة النظر في استعمال هذه الشبكات، وتوجيهها في وجهتها الصحيحة.

 

7- الحذر من الآثار الصحيَّة السلبية على المستعمل؛ حيث خلَصت الدراسات في هذا الشأن إلى أن الاستخدام المفرِط لمواقع التواصُل الاجتماعي، قد يضع الشخص تحت ضغط وتوتُّر زائدين، ليُصبِح بذلك أكثرَ عُرْضةً للإصابة بنوبات الاكتئاب والقَلَق، ووجد الباحثون بجامعة بيتسبورغ الأمريكية أن الأشخاص الذين يستخدمون من 7 إلى 11 موقِعًا للتواصُل الاجتماعي، يرتفع بينهم خطرُ التعرُّض للاكتئاب والقَلَق بمعدل ثلاثة أضعاف المستخدمين الآخرين ممَّن يمتلكون حسابًا واحدًا أو حسابين.

 

كما أشار أحد الأطباء المختصِّين إلى أن تعدُّد منصَّات التواصُل الاجتماعي، يُؤثِّر سَلْبًا على القُدرات العقلية والصِّحَّة النفسية والمعرفية للشخص.

 

أما إفراط الأطفال في استعمال هذه المواقع في سِنٍّ مبكرةٍ، فيُعرِّضهم للإصابة ببعض حالات التوحُّد، والعُزْلة، والاكتئاب، والإحباط، واضطراب النوم، وضَعف الجهاز المناعي، والعادات السيئة في النظام الغذائي، فضلًا عن اكتساب عادات سيئة؛ كالكسل، والسِّمنة، وضَعف الإقبال على ممارسة الرياضة، والابتعاد عن التواصُل الحقيقي للمجتمع، وحتى عن باقي أفراد الأسرة، كما يُصيبهم بالتوتُّر والإجهاد المُفضِيينِ إلى القَلَق والغضب والغيرة، فضلًا عن ضَعْف التركيز في المذاكرة، والتشتُّت الدائم في التحصيل.

 

8- براءة القلب وسلامته عند التواصُل مع الآخر؛ سواء كان من الجنس نفسه، أم من الجنس الآخر، وهذا يقتضي حفظ القلب؛ حتى لا ينساق مع العبارات العاطفية، وحفظ النفس؛ حتى لا تسترسل في الحوارات غير المجدية، وحفظ اللسان؛ حتى لا ينطق بالألفاظ المخِلَّة، والله تعالى يقول: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ? [البقرة: 83]. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ كان يُؤمِنُ بالله واليوم الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا أو لِيَصْمُتْ))؛ متفق عليه.

 

وقد يتمُّ التواصُل اللفظي أو المكتوب بين رجل وامرأة، إذا اقتضتْه مصلحةٌ شرعيةٌ، كتداول أمور العمل بالنسبة للموظَّفين، أو السؤال عن أمور الدين، كما كان يجري بين الصحابة وعائشة رضي الله عنها، كما قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: "ما أشكَل علينا - أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - حديثٌ قطُّ، فسألنا عائشة - إلَّا وجدنا عندها منه عِلْمًا"؛ صحيح سنن الترمذي.

 

لكن لا يكون ذلك ذريعةً للاسترسال في الكلام غير النافع، واستمراء الإطالة في الحوار، وتجاذُب أطراف الحديث من غير طائل، بل يُشترَط لذلك شروطٌ، من أهمِّها تجنُّب الخضوع في الكلام، واللين في القول، واستعمال الألفاظ الموحية، والعبارات المتغنِّجة؛ لقوله تعالى: فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا ? [الأحزاب: 32].

 

قال القرطبي المفسِّر رحمه الله: "لا تُلِنَّ القول، أمرَهنَّ الله أن يكون قولهنَّ جَزْلًا، وكلامهنَّ فصْلًا، ولا يكون على وجهٍ يُظهرُ في القلب علاقةً بما يَظهَرُ عليه مِن اللين".

 

وقال أبو العباس القرطبي: "فإنَّا نُجيز الكلام مع النساء للأجانب، ومحاورتهنَّ عند الحاجة إلى ذلك، ولا نُجيز لهن رفعَ أصواتهنَّ، ولا تَمطيطها، ولا تَليينها وتقطيعها؛ لِما في ذلك مِن استمالة الرجال إليهنَّ، وتحريك الشهوات منهم".

 

مع وصاية الرجل والمرأة بتجنُّب الخلوة الإلكترونية، حين يتصيَّدان الأوقات المناسبة، ويتكلَّمان وحدَهما، مع اعتقاد أنْ لا رقيب عليهما من الناس؛ فإن الله تعالى لا تَخفى عليه خافية.

 

وبعض الشباب يتقصَّدون الحديث مع الفتيات، لإيقاعهنَّ في حَمأة الكلمات المعسولة، والعبارات المائلة المُميلة، والوعود الطامعة الكاذبة.

 

ويجب على الفتاة أن تحذَر مِن إدراج يومياتها المفصَّلة على صفحتها، ونشر صورها، وأحوال أسرتها، وأسرار بيتها؛ احتياطًا من عين حاسد، أو مُتجسِّس، أو متربِّصٍ، مع تجنُّب موضة الإعجابات التي تفعل الأفاعيل في القلوب، وبخاصة قلوب الفتيات!

 

خَدَعُوها بقَوْلهم حَسْناءُ                      والغَواني يَغُرُّهُنَّ الثَّناءُ

نَظْرةٌ فابْتِسامةٌ فَسَلامٌ                         فَكَلامٌ فمَوْعِدٌ فَلِقاءُ

فاتَّقُوا اللهَ في قُلُوبِ العَذارى                  فالعَذَارى قُلُوبُهُنَّ هَواءُ

9- يُشترط في الكتابة التواصلية أن تكون صادقةً لا لَبْسَ فيها ولا تزويرَ، وأن تكون كلماتُها عربيةً واضِحةً، يُراعَى فيها قواعدُ الإملاء والنحو؛ حِفاظًا على جماليتها، وسلامة التعبير بها، وليست خليطًا من اللُّغات والرموز والطلاسم غير المتجانسة التي تُفسِد الذَّوْق، وتجني على مَلَكةِ التعبير السليم، وتُعمِّق الضَّعْف اللُّغوي الذي يُعاني منه كثيرٌ من أبنائنا، مع تحرِّي الصِّدْق، والقَصْد في الكلام، وتجنُّب الهزل الثقيل، والإسهاب المليل، وقليلٌ مفيدٌ خيرٌ من كثيرٍ مُملٍّ.

 

وفي الحديث الشريف: ((مَنْ دعا إلى هُدًى، كان له من الأجْرِ مثل أجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومَنْ دَعا إلى ضلالةٍ، كان عليه من الإثم مثل آثام مَنْ تَبِعَهُ، لا ينقُص ذلك من آثامِهم شيئًا))؛ مسلم.

لا تُكْثِرَنْ مِنَ المزاحِ والهَزَلْ                 ولا تُسايِرَنْ مُرِيدًا للْجَدَلْ

ولا تَكُنْ كالزَّائرِ الثَّقِيلِ                     أو تُشْغِلِ القُرَّاءَ بالفُضُولِ

10- حفظ العبادات والأعمال الصالحة من الرياء والسُّمْعة، كالذي ينشر صوره وهو في الحجِّ أو العُمْرة من غير سببٍ إلَّا الإعجاب بالنفس، وحب الظُّهور، أو يُصوِّر نفسه وهو يُوزِّع الصَّدَقات في رمضان، أو يتحدَّث عن صيامه وصلاته وزكاته ممَّا يجب أن يبقى سِرًّا بين العبد وربِّه.

 

11- احترام الجليس بترك الانشغال عنه بالهاتف، وبخاصة إذا كان هذا الجليس أبًا أو أُمًّا، ففي ذلك من قلة الاهتمام، وعدم الاحترام ما لا يليق بالضيف أو الزائر؛ قال سعيد بن العاص: "لجليسي علي َّثلاثٌ: إذا أقبل وسَّعْتُ له، وإذا جلَس أقبلْتُ إليه، وإذا حدَّثَ سمِعْتُ منه".

 

12- التعامُل مع المخالف باللِّين، ومجادلته بالتي هي أحسن، وبكامل اللباقة والأدب، مع ترك الألفاظ الجارحة، والأساليب القاسية التي قد تتحوَّل أحيانًا إلى سَبٍّ وشَتْمٍ، مهما بالَغ هو في المقاذفة والمقاذعة، وأمعَن في المشاتمة والشماتة؛ قال تعالى: فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا ? [الإسراء: 28]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((إن الرِّفْقَ لم يكن في شيء قَطُّ إلَّا زانَه، ولا نُزِعَ من شيءٍ قَطُّ إلا شانَه))؛ مسلم.

إذا رُمْتَ أنْ تَحْيا سَلِيمًا مِن الرَّدَى            ودِينُكَ مَوفُورٌ وعِرْضُكَ صَيِّنُ

فَلا يَنْطِقَنْ مِنْكَ اللِّسانُ بِسَوْأةٍ                فكُلُّكَ سَوْءاتٌ وللنَّاسِ أعْيُنُ


  

عدد مرات القراءة 46
رابط المقال