لا يضركم من ضل إذا اهتديتم

لا يضركم من ضل إذا اهتديتم

14 شوال 1439هـ

 

لا يكون المسلم مهتدياً، كامل الاهتداء، لا يضره ضلال من ضلَّ، ومعصية من عصى، حتى يقوم بما أوجبه الله عليه من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فهذا هو المعنى الصحيح لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105] أي: عليكم أنفسكم بأداء الواجبات، التي من جملتها وأعظمها، وآكدها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند القدرة، فإن لم يُقبل منكم ذلك، فلا ينبغي أن تستوحشوا من ذلك، فإنكم خرجتم عن عهدة التكليف، فلا يضركم ضلال غيركم إذا كنتم على الهداية؛ التي منها القيام بالواجب، من الأمر والنهي، فالاهتداء لا يتم إلا بذلك؛ لأنَّ تركه مع القدرة عليه ضلال.

ولأن الناس قد يقع منهم خطأ في فهم هذه الآية فقد نبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى ذلك، فعَنْ قَيْسٍ، قَالَ: "قَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ، وَتَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهَا: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105]، وَإِنَّا سَمِعْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ، أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ.  وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي، ثُمَّ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا، ثُمَّ لَا يُغَيِّرُوا، إِلَّا يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ مِنْهُ بِعِقَابٍ"([1]).

فمتى اهتدينا، وتواصينا بالحق، وأمرنا بالمعروف، ونهينا عن المنكر، وصبرنا على الأذى فيه، وتعاونا مع إخواننا على البر والتقوى، فقد حققنا الاهتداء الواجب المطلوب علينا، ولا يضرنا حينئذٍ ضلال من ضل، أما من لا يقوم بواجبه في هذا الأمر، فلا يكون مهتدياً ويضره ضلال من ضل؛ لأن فوات الشرط يستلزم فوات المشروط، وقد بيّن هذا كثير الصحابة، والتابعين، وكثير من المفسرين والعلماء، القدامى والمتأخرين:

يقول الإمام أبو بكر الجصاص في تفسير الآية: "ومن الاهتداء اتباع أمر الله في أنفسنا، وفي غيرنا، فلا دلالة فيها إذا على سقوط فرض الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر"([2]).

ويقول سعيد بن المسيب رحمه الله: "إذا أمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر، لا يضرك من ضل إذا اهتديت"([3])، وعن حذيفة رضي الله عنه قال: "إذا أمرتم ونهيتم"([4]).

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "الاهتداء إنما يتم بأداء الواجب، فإذا قام المسلم بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قام بغيره من الواجبات، لم يضره ضلال الضلال"([5]).

ويقول الشنقيطي: "نفس الآية فيها الإشارة إلى أن ذلك، فيما إذا بلغ جهده، فلم يقبل منه المأمور، وذلك في قوله: {إِذَا اهْتَدَيْتُم} لأن مَن ترَك الأمر بالمعروف لم يهتدِ، وممن قال بهذا حذيفة، وسعيد بن المسيب، كما نقله عنهما الألوسي في تفسيره، وابن جرير، ونقله القرطبي عن سعيد بن المسيب، وأبي عبيد القاسم بن سلام، ونقل نحوه ابن جرير عن جماعة من الصحابة، منهم ابن عمر، وابن مسعود...، ومما يدل على أن تارك الأمر بالمعروف غير مهتدٍ، أن الله تعالى أقسم أنه في خسر، في قوله تعالى: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر (1-3)]"([6]).

وقد بيّن بعض العلماء أن قوله تعالى: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} أي: "احفظوها، والزموا صلاحها، بأن يعظ بعضكم بعضاً، ويرغبه في الخيرات، وينزه عن القبائح، والسيئات"([7])، فلا يكون معنى: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} الاهتمام بالنفس وحدها، وترك الآخرين، دون أمر ولا نهي.

وفي المقابل فإن مَن لم يأمر بالمعروف، وينهَ عن المنكر، لم يحفظ نفسه، كما أمر الله تعالى بذلك في قوله: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ}، لأنه بسكوته عن المنكر يكثر وينتشر، وقد يؤدي إلى أن يضلَّ هو نفسه، بسبب وصول المنكرات وأثرها إليه وإلى ذويه، فيفقد هدايته.

وعليه:

فلن يكون المسلم مهتدياً تام الاهتداء، حتى يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ولن تكون الأمة مهتدية، تمام الاهتداء، حتى تأمر وتنهى، وتقوم بما أوجبه الله عليها، من الإصلاح، والتغيير المنشود، وإلا غاب عنها الاهتداء بغياب شرطه، وحل عليها العذاب. 

وقد ختم الله الآية بقوله: {إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [المائدة: 48] ليكون عذراً للمهتدي، ونذارةً للضال.

والله الهادي إلى سواء السبيل.

 



([1]) سنن أبي داود (4/122-4338)، وصححه الألباني.

([2]) أحكام القرآن للجصاص ت قمحاوي (4/ 155).

([3]) تفسير الطبري = جامع البيان (9/ 50).

([4]) تفسير الطبري = جامع البيان (9/ 51).

([5]) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابن تيمية (ص: 10).

([6]) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (1/ 459).

([7]) تفسير النيسابوري = غرائب القرآن ورغائب الفرقان (3/ 31).


  

عدد مرات القراءة 61
رابط المقال