عيد بلا إفراط ولا تفريط

عيد بلا إفراط ولا تفريط

26 رمضان 1439هـ

 

مع بزوغ هلال شوال تسعى بعض الأنفس التي كانت تزينت في رمضان بحلاوة الطاعة، وجمال العبادة، للتنصل من سبب طِيب الحياة؛ فتفتقدهم بيوت الله، وتشتاق إليهم مصاحفهم، وقد تُستباح المحرمات، وتُترك الواجبات، ومما لاشك فيه أن من علامة المسلم الحق الاستجابة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم استجابة مطلقة غير مقيدة بزمان ولا مكان، فلا يحدها مكان ولو كان بيت الله الحرام، ولا يحصرها زمان ولو كان شهر رمضان، يقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24]، ويقول سبحانه: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97]، ولا ريب أن "الحياة الحقيقية الطيبة هي حياة من استجاب لله ولرسوله ظاهرًا وباطنًا، فهؤلاء هم الأحياء وإن ماتوا، وغيرهم أموات وإن كانوا أحياء الأبدان"([1])، وقد شبَّه سبحانه من لا يستجيب لرسوله بأصحاب القبور، فقال جل وعلا: {إنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِى الْقُبُورِ} [فاطر: 22]، وهذا من أحسن التشبيه، فإن أبدانهم قبور لقلوبهم. ومن أعظم ما يبين حق النبي صلى الله عليه وسلم في الاستجابة له ما جاء عن أبي سعيد بن المعلَّى، قال: "كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه، فقلت: يا رسول الله، إني كنت أصلي، فقال: ألم يقل الله: {استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} [الأنفال: 24]. ثم قال لي: لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن، قبل أن تخرج من المسجد. ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج، قلت له: ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن، قال: {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2]، هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته"([2])، قال ابن العربي: "وقد بينا في غير موضع أن هذه الآية دليل على وجوب إجابة النبي وتقديمها على الصلاة"([3])، فرغم أن أبا سعيد كان في صلاة -وهي من أعظم الطاعات- إلا أن هذا ليس بعذر يتخلف بسببه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما الظن بمن يتخلف عنه بسبب لهو أو لعب أو شهوة؟

لقد أدرك السلف الصالح قيمة الاستجابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكانوا يسارعون في طاعته، فعن جابر، قال: لما استوى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، قال: "اجلسوا. فسمع ذلك ابن مسعود، فجلس على باب المسجد، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: تعال يا عبد الله بن مسعود")[4])، وعن عبد الله بن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى خاتمًا من ذهب في يد رجل، فنزعه فطرحه، وقال: "يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده، فقيل للرجل بعد ما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذ خاتمك انتفع به، قال: لا والله، لا آخذه أبدًا وقد طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم"([5]).

فما أحوجنا مع ضيق هذه الحياة وشدتها للأخذ بأسباب الحياة الحقيقية التي يتمناها كلُّ ذي لُبٍّ، ولا سبيل لذلك إلا بتلمس خطى رسول الله صلى الله عليه وسلم والاستجابة لأوامره ونواهيه في العيد وغيره.

 وليس المقصود أن يكون عيدنا بلا فرحة، ولا أن نقضيه في المساجد، ولكن القصد أن نحياه بلا تفريط في طاعة، ولا إفراط وإسراف على أنفسنا في الذنوب وترك المأمورات أو فعل المنكرات، ولا ننسى أن أمة موسى عليه السلام لما خالفوا أمره ولم يستجيبوا لندائه لهم كان التيه والضلال جزاؤهم، وحق عليهم قول ملك الملوك: {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [المائدة: 26].

فنسأل الله تعالى أن يجعلنا والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ممن يستجيبون لله ورسوله صلى الله عليه وسلم في رمضان وشوال وفي كل وقت وآن.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 



([1]) التفسير القيم = تفسير القرآن الكريم لابن القيم (ص: 298)

 

([2]) صحيح البخاري (6/ 17/4474)

([3]) أحكام القرآن لابن العربي ط العلمية (2/ 390)

(([4] سنن أبي داود (1/ 286/1091)، وصححه الألباني.

([5]) صحيح مسلم (3/ 1655/2090)


  

عدد مرات القراءة 137
رابط المقال