التوسط في بناء التصورات

29 شعبان 1439هـ

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد

فإن الحكم على الشيء -كما يقرر علماء الشريعة- فرع عن تصوره، وهي قاعدة عقلية صحيحة، لا يمكن أن ينازع فيها أحد، ذلك أن الحكم على الشيء لا يمكن أن يكون بحال قبل معرفته وتكوين تصور ما عنه، وإلا كان في حكم المجهول فكيف يُحكم عليه؟

والمرء في هذه الحياة يقابَل يوميًا بالعديد من الأحداث والعوارض والمواقف والتصرفات، وتفاعله مع كل ذلك سلبًا أو إيجابًا ينطلق من نقطة بداية واحدة وهي تصوره عنها، ثم بعد ذلك حكمه عليها، وبناء على هذا الحكم يتخذ موقفه منها ويتعامل معها.

لعل مما يعاني منه كثير من الأفراد، بل وشرائح متعددة في المجتمعات، عدم التوسط في قراءة الأحداث وتصورها، بل الجنوح ذات اليمين وذات الشمال، ومن هنا يبدأ الخلل في التعاطي مع الأحداث والتفاعل معها، فتكثر الأخطاء ويقل الصواب وتظهر نتائج ذلك وآثاره السلبية في القريب والبعيد.

القراءة الصحيحة للأحداث والتصور السليم للأمور يحتاج لعدد من العوامل؛ أولها الفهم السليم، ثم العلم والمعرفة، وأخيرًا المزاج المعتدل والحالة النفسية السويَّة، ومن فقد واحدة من هذه الثلاثة لن يتمكن -غالبًا- من بناء تصور صحيح وسليم عن الوقائع والأحداث والأفكار، وبالتالي سيختل حكمه عليها ويقع في الأخطاء في التعامل معها.

أما الفهم السليم، فهو منحة ربانية؛ إذ العقول تتفاوت فيما بينها في أصل خِلقتها، لكنَّ هذا الأمر لا يكون عائقًا كبيرًا في أغلب الأحيان، لأن أغلب الأحداث والمواقف التي تمرُّ بالإنسان في حياته تكون مما لا يحتاج إلا إلى درجة عاديَّة من الفهم، وهي التي منحها الله عز وجل برحمته وفضله لجلِّ الناس، وأما ما كان يحتاج إلى درجة أعلى من الفهم، فهذا يمكن التعامل معه بمشورة أهل الخبرة والتجربة ممن حصَّلوا درجات أعلى من الفهم والوعي.

وأما العلم والمعرفة، فهي بحسب المجال الذي يتبعه الأمر محل النظر والتصور، فإن كان أمرًا شرعيًّا فإنه يحتاج إلى علم شرعي، وإن كان ماليًّا تجاريًّا فيحتاج إلى إلمام بهذا المجال، وإن كان صحيًّا فكذلك، وهكذا في كل مجال من المجالات الأخرى.

وأما المزاج المعتدل والحالة النفسية السوية، فهو ما يمنع المرء من الشطط في تصور الأمور؛ إما إلى التهويل من شأنها والمبالغة فيه، وإما إلى التهوين والتقليل من أمرها، وكلا هذين الأمرين مُضرٌّ بصاحبه، فردًا كان أو مجتمعًا؛ وهذا فيما يبدو من أكبر العوامل السلبية المؤثرة على تصورات الناس في العالم العربي، وجولة واسعة في مواقع التواصل الاجتماعي كفيلة بأن تقودنا لهذه النتيجة.

فنحن نرى كثيرًا ممن يكتب في مواقع التواصل الاجتماعي -بل ربما في وسائل الإعلام التقليدي- لا ينقصه الفهم السليم ولا المعرفة في المجال الذي يكتب فيه، لكنَّ ما يوقعه في الخطأ عند بناء التصورات، هو عدم الاعتدال في النظر للأمور، فلا يوجد عنده سوى لونين؛ أسود أو أبيض، فإما التهويل والمبالغة في التصورات، وإما التهوين والتقليل فيها.

إن من أسوأ الآثار المترتبة على عدم التوسط في قراءة الأحداث وبناء التصورات أن من يقع فريسة التهويل والمبالغة قد يحكم بأحد حكمين خاطئين مدمرين:

الأول: أنه لا فائدة تُرجى، ولا شيء يمكن القيام به في التعامل مع الحدث أو الواقعة، ومن ثَمَّ يستسلم المرء للأحداث، فيكون مفعولًا به لا فاعلًا، فلا يسعى للتقليل من آثارها السلبية إن وُجِدت، أو تحويل مسارها نحو الإيجابية، فضلًا عن المشاركة في صناعتها أو الاستفادة منها.

والثاني: أنَّ هذه الأحداث لا يصلح التعامل معها بهدوء واعتدال ورويَّة، ومن ثَمَّ ينهج المرء منهج الغلو والتطرف ظنًّا منه أنه الطريق الوحيد للتعامل مع الحدث وإيقاف آثاره السلبية.

وأما من يميل إلى التهوين والتقليل من شأن الأمور والأحداث، فهذا لن يفكر في التحرك للتعامل معها ابتداءً، لأنه لا يرى لها قيمة تذكر فلا تحتاج بالتالي لجهد في التعامل معها، فهذا قد يأتيه البلاء فجأة وهو في غفلة لاهٍ ساهٍ.

أما التوسط ووضع الأمور في نصابها الصحيح، وإعطاء كل أمر حقه وقدره الذي يليق به، فهو أول خطوة للتعامل السليم مع الحدث واتخاذ المواقف والأفعال الكفيلة بالاستفادة من إيجابياته والتقليل من سلبياته أو القضاء عليها، ونحن بحاجة إلى هذا النوع من التوسط حاجة ماسة، فاللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك، فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختُلِفَ فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

والله الموفق.

* المشرف العام على مركز وموقع المحتسب

د. عبد الله الوطبان

 


  

عدد مرات القراءة 71
رابط المقال