رمضان شهر المحاسبة والاحتساب

رمضان شهر المحاسبة والاحتساب

28 شعبان 1439هـ

 

يحتاج المسلم حاجةً شديدة إلى محاسبة نفسه، مع كل طرفة وخطرة؛ لأنه مسؤولٌ ومحاسبٌ على كل شيء؛ على سمعه، وبصره، وقلبه، ووقته، وحياته، فهو حقيق أن يحاسِبَ نفسَه قبل أن يُحاسَب، ويحتسب عليها قبل أن يحتسب على غيره، وقد دل على وجوب محاسبة النفس، قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} [الحشر: 18].

قال ابن جزي رحمه الله: "ولتنظر نفس ما قدمت لغد: هذا أمر بأن تنظر كل نفس ما قدمت من أعمالها ليوم القيامة، ومعنى ذلك محاسبة النفس؛ لتكف عن السيئات، وتزيد من الحسنات"([1]).

ومما يدل على ذلك أيضاً قوله تعالى: {كَفَى بِنَفْسِكَ اليوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء: 14] أي: كفى بك لنفسك محاسِباً.

فلا بد أن ينشر المسلم -الحريص على نجاته- لكل فعلٍ وقولٍ صدرا منه ديوانان:

ديوان: لمن فعلتُ؟

وديوان: كيف فعلتُ؟

فالأول: سؤال عن الإخلاص.

والثاني: سؤال عن المتابعة.

وها نحن نستقبل شهر رمضان، وهو فرصة لمحاسبة النفس، والاحتساب عليها، فقد كان السلف رحمهم الله تعالى، يتخذونه متجراً للحسنات، وفرصةً لرفع الدرجات، يُقبِلون فيه على قراءة القرآن، والصدقات، والتفرغ للعبادات. والناس في هذا الشهر يتباينون، فمنهم المستغل لأوقاته في التزود من الطاعات، والقربات، المحاسِب لنفسه على التقصير والتفريط، ومنهم الموبق لها في الشهوات والمحرمات.

فيجب على المسلم استغلال هذا الموسم في محاسبة نفسه عما سلف من الأعمال، والاحتساب عليها، وتغيير مسارها نحو الأفضل، باتخاذ الوسائل المؤدية إلى ذلك، فالكَيِّس من دانَ نفسَه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أَتْبَع نفسَه هواها، وتمنَّى على الله الأماني.

 *****

 كما أنّ رمضان لم يكن قَطُّ شهر دَعةٍ وخمول وكسل، وانكفاء على النفس، وإنما كان شهر حسبةٍ واحتساب وجهاد، ومقارعة للباطل، وعمل متواصل للإسلام، فالمتأمل في تاريخ الجهاد الإسلامي، في عهده النبوي، وما بعده، يجد كثيرًا من معاركه حدثت في هذا الشهر، بدءًا بسرية سيف البحر [4 رمضان، سنة 1 هـ]([2]).

ثم سرية عمير الخطمي، [رمضان سنة 2 ه]([3]) .

فخروج المسلمين لاعتراض عير قريش [12 رمضان، 2ه]([4]).

ومعركة بدر (يوم الفرقان) [17 رمضان، 2ه]([5]).

وفتح مكة [20 رمضان، 8ه]([6]).

وعبور موسى بن نصير إلى الأندلس [5 رمضان، عام 93هـ]([7]).

وفتح بلاد السند [7 رمضان، لعام (93هـ)]([8]).

ومعركة بلاط الشهداء [9 رمضان، من العام (114هـ)]([9]).

وفتحُ عَمُّورية [6 رمضان، سنة 223هـ]([10]).

ومعركة الزلاقة [13 رمضان، لعام 480ه]([11]).

ومعركة عين جالوت [25 رمضان، عام 658هـ]([12]).

وفتح أنطاكية [14 رمضان، سنة 665]([13]).

ومعركة شقحب [2 رمضان عام 702هـ]([14]). وغيرها.

وهذا كله من الاحتساب على أعظم المنكرات وهو الشرك؛ حيث انطلق المسلمون في هذه الحوادث الرمضانية؛ لتحقيق التقوى، المأمور بها في قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون} [البقرة: 183] بفتح البلدان الكافرة، وإعلاء كلمة الله تعالى في الأرض، ومحاربة الكفر والمعاصي، ونشر الخير. 

ومما يدل كذلك على أن هذا الشهر شهر احتساب عظيم على النفس وردها عن غَيِّها، قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لم يدع قول الزور، والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"([15]).

فعلى المحتسبين استغلال إقبال الأنفس والأرواح على الله في هذا الشهر الكريم، في التذكير بحقوق الله تعالى، واجتناب محارمه، والتحذير من مساخطه، وبخاصة ما يُحْدثه الناس في هذا الشهر المبارك، من منكرات، وبدع، ومخالفات، في ليله ونهاره، حتى يُدْرِك المسلمون أسرار العبادات، والحكمة منها، فينتفعون في دينهم ودنياهم، ومعاشهم ومعادهم.



 

([1]) تفسير ابن جزي = التسهيل لعلوم التنزيل (2/ 362).

([2]) انظر: الرحيق المختوم (ص: 178).

([3]) السيرة النبوية لأبي الحسن الندوي (ص: 658).

([4]) انظر: المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (1/ 209) والسيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث (ص: 391).

([5]) انظر: سيرة ابن إسحاق = السير والمغازي (ص: 130).

([6]) انظر: مغازي الواقدي (3/ 889).

([7]) انظر: التاريخ الأندلسي، للحجي (ص:69)، والحلة السيراء (2/333).

([8]) انظر: فتوح البلدان (ص: 419-423)، والعبر، لابن خلدون (3/77).

([9]) انظر: نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب (1/ 236).

([10]) انظر: الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية (ص: 227).

([11]) انظر: المعجب في تلخيص أخبار المغرب (ص: 100) والتاريخ الأندلسي للحجي، ص: 408.

([12]) انظر: ذيل مرآة الزمان (1/ 361)، والمختصر في أخبار البشر (3/ 205).

([13]) انظر: البداية والنهاية (13/292).

([14]) انظر: البداية والنهاية (18/ 26)، وعقد الجمان في تاريخ أهل الزمان (ص: 418).

([15]) صحيح البخاري في كتاب الصوم، باب من لم يدع قول الزور، والعمل به في الصوم (3/ 26-1903).

 


  

عدد مرات القراءة 56
رابط المقال