حسبة لا تنقطع

حسبة لا تنقطع

29 رجب 1439هـ

الحسبة رسالة لا تنقطع، ومهمة لا تتوقف لعوارض أو لموانع تعترضها، فليست وظيفة ترتبط بأمر دنيوي، تدور معه وجودًا وعدمًا، بل ربما تتوقف حياة المرء وتمضي حسبته في طريقها بعد موته، كما حدثنا القرآن الكريم عن أحد المحتسِبين بقوله: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى} [يس: 20]، فاشتد مسرعًا لما بلغه أن أهل البلد عزموا على قتل رسل عيسى الثلاثة([1])"، "والتعبير بقوله: يَسْعى: يدل على صفاء نفسه، وسلامة قلبه، وعلو همته، ومضاء عزيمته، حيث أسرع بالحضور إلى الرسل وإلى قومه، ليعلن أمام الجميع كلمة الحق، ولم يرتض أن يقبع في بيته- كما يفعل الكثيرون- بل هرول نحو قومه، ليقوم بواجبه في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر"([2])، "وما إن وصل إلى الجماهير الهائجة حتى قال بأعلى صوته"([3]): {يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ} [يس: 20 - 25]، فإذا بالمحتسَب عليهم يرفضون احتسابه كحال كثيرٍ من الناس، لكنهم لم يقفوا عند ذلك بل بلغ رفضهم منتهاه فقتلوا من يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، فبُشِّر بما كان يرجوه؛ بُشِّر بالسلعة الغالية، والنعيم الدائم الذي لا ينفد، والفوز العظيم المبين؛ {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ} [يس: 26]، فلما "رأى نعيمها ذكر قومه ناصحًا لهم فقال: {يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي (3) رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ }، أي يعلمون بما غفر له وجعله من المكرمين وهو الإيمان والتوحيد حتى يؤمنوا ويوحدوا؛ فنصح قومه حيًا وميتًا وهذا شأن المسلم الحسن الإسلام والمؤمن الصادق الإيمان، ينصح ولا يغش، ويرشد ولا يضل، ومهما قالوا له وفيه ومهما عاملوه به من شدة وقسوة حتى الموت قتلاً"([4]).

فهذا المحتسِب قُتل ومع ذلك لم تتوقف حسبته، يقول ابن عباس رضي الله عنهما: "نصح قومه في حياته بقوله: {يا قوم اتبعوا المرسلين}، وبعد مماته في قوله: {يا ليت قومي يعلمون * بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين}"([5])، وهذا شأن المحتسِب المتأسي بإمام المحتسبين صلى الله عليه وسلم؛ لا يتغير بتغير الظروف المحيطة به فيترك حسبته، ولا يحمله تغيّرُ مَن حوله أن يغير الطريقة النبوية في الحسبة، ويسلك مسلك الشياطين من الإنس والجن، بل يبقى ثابتًا لا يغيِّر ولا يبدِّل.

وهذا شأن المحتسِبين الصادقين، جعلنا الله وإياكم منهم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 



(([1]  اختلف أهل العلم في هؤلاء الرسل، وفيمن كان أرسلهم إلى أصحاب القرية؛ فقال بعضهم: كانوا رسل عيسى ابن مريم، وعيسى الذي أرسلهم إليهم... وقال آخرون: بل كانوا رسلًا أرسلهم الله إليهم. انظر: تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (20/ 500).

([2]) التفسير الوسيط لطنطاوي (12/ 23)

([3]) أيسر التفاسير للجزائري (4/ 371)

([4]) أيسر التفاسير للجزائري (4/ 372)

([5])  تفسير ابن كثير ت سلامة (6/ 572)


  

عدد مرات القراءة 112
رابط المقال