أهمية العناية بالجانب الإيماني في الاحتساب

عبد الله بن عبد الرحمن الوطبان

أهمية العناية بالجانب الإيماني في الاحتساب

16 رجب 1439هـ

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد

فإن الغاية من إقامة شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي حفظ دين الفرد والمجتمع، وإصلاح معاشهم، بالعمل بما جاء به كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه والسلام، إذ فيهما السعادة والصلاح والفلاح في الدنيا والآخرة، وكل عمل وجهد وتخطيط بشري يغفل هذه الحقيقة أو يعمل بضدها، فإنه لا يمكن بحال أن يحقق هذه النتيجة المرجوة لكل عاقل؛ وسيفوته منها بقدر ما ترك من العمل بالكتاب والسنة.

ولا يُعترض على ما سبق بما نراه اليوم من تقدم مادي مبهر في بعض بلاد الكفر شرقيِّها وغربيِّها؛ أما فيما يتعلق بالآخرة فلا خلاف أنَّ مخالفتهم للكتاب والسنة -بكفرهم بالإسلام- سبب وبالهم وخسارتهم في الآخرة، قال تعالى:  {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85]، وأما في الدنيا فقد قال تعالى: { وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} [طه: 124]، قال ابن كثير رحمه الله: "{فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} أَيْ: فِي الدُّنْيَا، فَلَا طُمَأْنِينَةَ لَهُ، وَلَا انْشِرَاحَ لِصَدْرِهِ، بَلْ صَدْرُهُ ضَيِّقٌ حَرَج لِضَلَالِهِ، وَإِنْ تَنَعَّم ظَاهِرُهُ، وَلَبِسَ مَا شَاءَ وَأَكَلَ مَا شَاءَ، وَسَكَنَ حَيْثُ شَاءَ، فَإِنَّ قلبه مَا لَمْ يَخْلُصْ إِلَى الْيَقِينِ وَالْهُدَى، فَهُوَ فِي قَلَقٍ وَحَيْرَةٍ وَشَكٍّ، فَلَا يَزَالُ فِي رِيبَةٍ يَتَرَدَّدُ. فَهَذَا مِنْ ضَنْكِ الْمَعِيشَةِ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} قَالَ: الشَّقَاءُ"[1]؛ ومن اطلع على حال كثير الأمم الكافرة المتقدمة ماديًّا اليوم بعين البصيرة فإنه سيجد مصداق ذلك، ويكفي للتدليل عليه أن يطالع المرء معدلات الانتحار في هذه البلاد، والتي تعد من أعلى معدلات الانتحار في العالم، ومثلها معدلات الأمراض النفسية، فهذا من صور الشقاء في الدنيا. أما من لم ينظر إلا إلى المظاهر الشكلية التي تظهر بادي الرأي ولم يدرك حقيقة الأمور فهذا قد غرته المظاهر، والله عز وجل يقول: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [آل عمران: 196، 197]، فما هو إلا متاع قليل مخلوط بالكدر، {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} [طه: 127].

ومع كثرة الشبهات والشهوات في هذا العصر، ومع تعدد المشغلات والملهيات، ومع اضطراب كثير من المفاهيم والقيم لدى بعض الناس، تبرز الحاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى للقيام بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونبرز الحاجة كذلك لتعزيز العامل الإيماني في نفوس الجميع؛ كبارًا وصغارًا، رجالًا ونساءً، ولا يُستثنى من ذلك من حملوا على كاهلهم عبء الدعوة إلى الله عز وجل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل إنهم قد يكونون بحاجة لهذا العامل أكثر من غيرهم، لأنه لو ضعف في قلوبهم لقعدت بهم أعضاؤهم وجوارحهم عن العمل، فالإيمان روح القلب ومحركه ودافعه إلى العمل الصالح والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبضعفه يصعب أن يقوم المرء بالعطاء فإن فاقد الشيء لا يعطيه.

إن العناية بالجانب الإيماني في حياة المسلم الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، أمر على درجة عالية من الأهمية، ويكفي للتدليل على ذلك أن المرحلة المكية التي بدأت بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم واستمرت ثلاث عشرة سنة، لم يشرع فيها إلا القليل من الأحكام، وكان كل ما ينزل من آيات القرآن الكريم إنما هو لزرع حقائق الإيمان وتثبيتها في القلوب؛ فهذا هو أصل الدين الذي لا تقوم له قائمة بدونه، وأما بعد الهجرة المباركة ورغم نزول جلِّ الأحكام الشرعية في هذه المدة، إلا أنها كانت تنزل جنبًا إلى جنب مع الحقائق الإيمانية، وكل هذا يؤكد على عظم خطورة وأهمية الجانب الإيماني في بناء الشخصية المسلمة، بل في حقيقة وجودها.

إن أعظم ما يعزز الإيمان في القلوب هو كلام الله جل وعلا، وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم، فهذان هما الموردان العذبان اللذان نهل منهما الرعيل الأول، فكانوا رجالا لم يعرف لهم التاريخ مثيلًا، وأقاموا صرح الدين على مراد الله جل وعلا، وإذا أردنا أن نسير على دربهم لنُحَصِّل شيئا مما نالوه من خيري الدنيا والآخرة، فلا بد لنا من العودة للكتاب والسنة، وملء القلوب والعقول من ضيائهما وبركتهما، وكي يستقيم لنا فهمهما ينبغي لنا أن نأخذ بفهم من تنزل الوحي عليهم ومات النبي صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ؛ أعني أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم، فالله عز وجل يقول: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا} [البقرة: 137]؛ فلا هداية لأحد بعدهم إلا إن آمن بمثل ما آمنوا به.

فإن تحقق للمرء ذلك الإيمان حفظ نفسه من الفتن، ودفعه إيمانه لتبليغ ما استقر في قلبه من العلم والحكمة، وأعانه على القيام بواجب الأمر والنهي ليعم الخير الجميع.

والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل

د. عبد الله بن عبد الرحمن الوطبان

 المشرف العام على مركز وموقع المحتسب



[1] تفسير ابن كثير ت سلامة (5/ 322).


  

عدد مرات القراءة 561
رابط المقال