صبغتنا طريق نجاتنا

محمود فوزي الخولي

صبغتنا طريق نجاتنا

09 رجب 1439هـ

 

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا:

أما بعد:

فمما لا ريب فيه أن من أعظم الأدواء التي تتعرض لها أمة رسول الله صلى الله عليه سلم، تلكم الأمراض التي تستأصل شأفة هذه الأمة فكريًا، ومن ثَم تستأصلها وجوديًا، ولخطورة هذه الآفات أمر الحكيم جل وعلا الأمة بأن تحافظ على صبغتها فقال تعالى: {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} [البقرة: 138- 139]، ويقول أبو جعفر الطبري رحمه الله مبينًا المقصود بالصبغة: "يعنى تعالى ذكره بالصبغة: صبغةَ الإسلام. وذلك أنّ النصارى إذا أرادت أن تنصِّر أطفالهم، جعلتهم في ماء لهم تزعم أن ذلك لها تقديس، بمنزلة غُسل الجنابة لأهل الإسلام، وأنه صبغة لهم في النصرانية"([1])، فالآية تقرر أن الدين هو صبغتنا، ويؤكد ذلك الكثير من المفسرين، بل ويعللون السبب في وصف الدين بأنه صبغة، فيقول الحسن، وقتادة، وأبو العالية، ومجاهد، والسدي، وابن زيد، وعطية-في تفسير الصبغة-: "دين الله، وإنما سُمّي الدين صبغة لأن المتدين يلزمه ولا يفارقه كما يلزم الصبغ الثوب"([2])، فالدين لا يُفارَق، ولا يمكن لذي لب أن يفكر في طمس صبغته التي تظهره في أحسن مظهر، وأجمل حلية، وهل يُقارن ثوب ذو ألوان زاهيات تسر الناظرين، يتنافس عليه الملأ من الناس، بثوب بلي وزال لونه وتضاءلت قيمته، بل ربما تزول، فيزهد فيه الناس، وتنتهي حقيقته في أرذل الأماكن مع النجاسات و المستقذرات؟! وإن كان هذا الحال مع الثوب، فما الظن بصبغ القلوب والأفكار، وبتغيير وتبديل الدين؟ "فليس الدين ثوبًا يلبسه الإنسان زمنًا حتى إذا بلي خلعه، واستبدل به غيره.. وإنما هو أشبه بجلد الإنسان، وبالصبغة التي صبغه الله عليها.. فهو لون واحد لا يتغير، ولا يتبدل"([3])، وصبغة الله تعالى يتجلى معناها بوضوح بتفسير القرآن، ففي قوله: "{وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ}، بيان لهذه الصبغة، وهي القيام بهذين الأصلين: الإخلاص والمتابعة، لأن "العبادة " اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال، والأقوال الظاهرة والباطنة، ولا تكون كذلك، حتى يشرعها الله على لسان رسوله، والإخلاص: أن يقصد العبد وجه الله وحده، في تلك الأعمال، فتقديم المعمول، يؤذن بالحصر"([4])، والعجب كل العجب ممن يترك صبغة النجاة، ويلهث وراء غيرها وقد قال الله تعالى: "{ومن أحسن من الله صبغة} : والاستفهام هنا بمعنى النفي؛ أي لا أحد أحسن من الله صبغة؛ وذلك؛ لأن دين الله عزّ وجلّ مشتمل على المصالح، ودرء المفاسد؛ ولا يوجد دين يشتمل على هذا إلا ما جاء من عند الله، سواء كان الدين الإسلامي الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، أو الأديان الأخرى ما دامت قائمة لم تنسخ"([5])، ففي الآية تأكيد وتقرير على كون صبغة الدين هي أحسن صبغة، وأفضل طريق، وأنجع وأنجح سبيل، "وفي ضمنه أنه لا أقبح صبغة ممن انصبغ بغير دينه"([6])، ولذا فإن "الذين يحاولون في زمان من الأزمنة أن يصبغوا الدين بشكل أو بطقوس أو بلون أو برسوم أو هيئة خاصة نقول لهم: أنتم تريدون أن تُخرجوا الإسلام عن عموميته الفطرية التي أرادها الله له، ولابد أن تقفوا عند حد الفطرة الإسلامية، ولا تلونوا الإسلام هذا التلوين"([7])، وكم "هي تجربة قاسية إذن، تلك التجربة التي يخرج فيها الإنسان عن دينه، ولو ظاهرًا، تحت حكم القهر والتسلط.. حيث يعالج الإنسان في كيانه الداخلي صراعًا صارخًا، تتمزق معه مشاعره، وتتصدع به وحدة بنائه الفكري، وإذا هو في تيه، لا يطّلع عليه من آفاقه، إلا ما يزعجه ويؤرقه.."([8])، ولخطورة التغيير والتبديل حذر النبي صلى الله عليه وسلم من محاولات طمس الهوية-والتي هي " إحساس الفرد بنفسه وفرديّته وحفاظه على تكامله وقيمته وسلوكيَّاته وأفكاره في مختلف المواقف"([9])- وتلوين الصبغة، وتنكيس الفطرة، فعن أبي سعيد رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه"، قلنا يا رسول الله: اليهود، والنصارى قال: "فمن"([10]).

ففي "مقام ذم بني إسرائيل وذكر عجائبهم وما وقع منهم من انحراف عن شريعتهم وفي مقام تحذير الصحابة ومن بعدهم من أن يحذوا حذوهم ويقلدوهم في بدعهم، يحذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته مما سيقع منهم؛ يحذر الكثرة مما ستقع فيه القلة، يحذر من التقليد الأعمى، يحذر من الأضواء الكاذبة، ومن إلباس الحق بالباطل، ومن تزيين المفاسد، يحذر من الاتباع في الابتداع ويخبر بما سيقع في آخر الزمان للمسلمين وأنهم سيضيعون العزة والكرامة وسيشعرون بالذلة والهوان والنقص وسيجعلون اليهود والنصارى سادة لهم يرفعون إليهم أبصارهم، والنفس مولعة بتقليد الأعلى فيسلكون مسلكهم ويحاكونهم في سوآتهم ونقائصهم، حتى لو سلكوا أقبح المسالك وأضيقها حاكوهم واتبعوهم وفعلوا مثلهم، وقد حصل الكثير من هذا في زماننا"([11])، ولقد "خصَّ جحر الضب بالذكر لشدة ضيقه ورداءته"([12])، فرغم أنهم كانوا في سعة من الحياة، وفي نور يتمناه كل سالك في الطريق ليبصر به مواضع العطب والهلاك فيتجنبها، ويرى مواضع الخصب والرخاء والسلامة فيسلكها، فإذا بهؤلاء يتركون كل ما كانوا فيه من نعيم ليدخلوا وهم أصحاب القصور إلى الجحور، جحور مظلمات لا يُبصَر فيها، ففيها التخبط والتيه والاضطراب والخوف، جحور ضيقات لا راحة فيها، ولا سعة صدر، ولا طمأنينة قلب، ومع ذلك يدخلها هؤلاء المغيبون المساكين فرحين بالظفر بالجحر، وبفقدان القصر.

ما أحوجنا وأحوج كل ذي لب لصرخة مدوية توقظ النائم، وتفيق الغائب، وأن يقول كل منا لنفسه ولمن يعول:" الزموا صبغة الله، وهو دينه، وقوموا به قيامًا تامَّا، بجميع أعماله الظاهرة والباطنة، وجميع عقائده في جميع الأوقات، حتى يكون لكم صبغة، وصفة من صفاتكم، فإذا كان صفة من صفاتكم، أوجب ذلك لكم الانقياد لأوامره، طوعًا واختيارًا ومحبة، وصار الدين طبيعة لكم بمنزلة الصبغ التام للثوب الذي صار له صفة، فحصلت لكم السعادة الدنيوية والأخروية، لحث الدين على مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ومعالي الأمور، فلهذا قال - على سبيل التعجب المتقرر للعقول الزكية-: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً}أي: لا أحسن صبغة من صبغته"([13]).

أسأل الله تعالى وليّ الإسلام وأهله أن يمسكنا بدينه وصبغته حتى نلقاه به، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

* بقلم: محمود فوزي الخولي
باحث في مركز المحتسب للاستشارات



 ([1]) تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (3/ 117)

 ([2])  التفسير الوسيط للواحدي (1/ 222)

 ([3]) التفسير القرآني للقرآن (7/ 377-378)

 ([4]) تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 69)

 ([5])تفسير العثيمين: الفاتحة والبقرة (2/ 97)

 ([6]) تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 69).

 ([7]) تفسير الشعراوي (2/ 910).

 ([8]) التفسير القرآني للقرآن (7/ 377-378)

 ([9]) معجم اللغة العربية المعاصرة (3/ 2372)

 ([10] ) صحيح البخاري (4/ 169/3456)، صحيح مسلم (4/ 2054/2669)

 ([11])  المنهل الحديث في شرح الحديث (3/ 176)

 ([12]) منحة الباري بشرح صحيح البخاري (6/ 544)

 ([13]) تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 68)


  

عدد مرات القراءة 241
رابط المقال