منكرات أَلِفَهَا الناس

صادق محمد مهيوب الهادي

منكرات أَلِفَهَا الناس

09 رجب 1439هـ

 

تأمَّلتُ واقع المنكرات، وتدرُّجها في المجتمعات، وتسلُّلها إليها، فوجدتُ أنه كلما مرَّ على الناس زمانٌ أَلِفُوا منكراً جديداً، وفعلاً قبيحاً، فصار عندهم مألوفاً معتاداً، مُستساغاً متقبلاً، وهكذا منكرٌ فمنكر، حتى تكثر الأفعال المنكرة، والعادات المستنكرة، التي تفرض نفسها شيئاً فشيئاً، فتصير واقعاً مقبولاً، وأمراً مفروضاً، فتكتسب نفوذاً قوياً بسبب إِلْف الناس لها.

ثم ما يلبث أن تصير هذه المنكرات من العادات التي لا تُنكر، والأفعال التي لا تُستنكر، فيقل إنكار الناس لها، ونفورهم منها، وتساهلهم تجاهها، وإقرارهم لها، حتى يألفوا ما هم عليه من المنكرات، ويجروها ذلك المجرى، ويتأولوا لها أوجهاً، تؤول بها إلى الحُسْن والمشروعية؛ فيصعب بعد ذلك تغييرها، أو الإنكار عليها!

ولو قام أحدٌ بالإنكار عليها بعد ذلك لربما أَنَكَرَ عليه الناس، ولربما عدُّوا ذلك تشدداً وتنطعاً من فاعله، وطالبوه أن يساير بيئته، وعُدَّ خروجه عما ألف الناس فيها شذوذاً عن البيئة.

وبذلك تكثر المنكرات المألوفة، التي لا تُنكر بعد ذلك، وتصير أمراً مقبولاً في المجتمع، ويقل نفور الناس منها، واستنكارهم لها، ومقاومتها، مع مرور الوقت، بسبب إِلف الناس لهذه المحرمات، والعادات القبيحات، فتعد بعد ذلك من قِبَل المباحات، المقبولات، في نظر كثير من الناس!

ومما انتشر في زماننا من المنكرات، وأَلِفَه الناسُ، وصار أمراً عادياً:

1- التدخين:

فقد صار مألوفاً، ومنتشراً بكثرة في زماننا، في كل مكان، في الطريق، والشارع، والمقهى، والسيارة، والمجالس العامة، والخاصة، حتى لا تكاد تجد له مُنْكِراً، إلا النادر القليل.

وقد كان التدخين قديماً مُستنكراً قبيحاً، يستتر أصحابه عند شربه، أما اليوم فليس كذلك، فربما جاهروا به أمام الملأ من العلماء، فضلاً عن غيرهم، وربما تناوله بعض من يعد نفسه من أولي الفضل والعلم، وفي أماكن محترمة.

ولندع الطنطاوي (الأديب) يحكي لنا في بعض مذكراته حالة من ذلك؛ إذ يقول: لما قُضِيَت الصلاة جلس الناس صفوفاً يستمعون للخُطَب التي جئنا نُلقيها عليهم...، ولكنني فوجئتُ بعَجَب ما كنتُ أتصور أنني أراه، ولقد شككتُ فيه، وهو أمام عيني أبصره؛ ذلك أن كبار المشايخ (من شيوخ النقشبندية) استندوا إلى الجدران، وأخرجوا دخائنهم (سيجاراتهم) الطويلة، وشرعوا يدخّنون في المسجد! وبدا لي أن ذلك مألوف معروف عندهم، لا يرون به بأساً، كما أنه ممّا كان معروفاً عند المشايخ في الشام، حتى في الجامع الأموي أن يُخرج أحدهم علبة (النشوق) وفيها مسحوق (التبغ) فيشمّونه في المسجد، لا يستنكرون ذلك، ولا يُنكِره الناس منهم، وكلا الأمرين منكَر: التدخين، وشمّ النشوق، ولكن العادات تُضعِف الشعور بالعمل، وتصرف الذهن عن تقويمه، والحكم عليه([1]).

ومن عجيب ما يحكى في ذلك أيضاً:

أن عبد الله بن عمر الحضرمي الشافعي (المتوفى: 1265هـ) صاحب كتاب (السيوف البواتر لمن يقدم صلاة الصبح على الفجر الآخر) جرت بينه وبين عالم مكة وشريفها مناظرة حول مشروعية التدخين: حين وصل المذكور إلى مكة، فرأى هذا الشريف يتعاطى شرب الدُّخان، فلم يتردد في الإنكار عليه، بل زجره قائلاً: هذا لا يليق بمنصب العلم الشريف، وهذه بدعة خبيثة، تأباها النفوس المضيئة، والطباع السليمة، فردَّ عليه ذلك العالم قائلاً: أنتم تقولون بقهوة البُن، وهي بدعة كذلك، فقال له: لا بأس، سنخرج أنا وأنت إلى حِجر الكعبة، وأخرج بالقهوة، وأشربها في الحِجر، وتخرج أنت بالتنباك والحقة، وتشربها في الحِجر، ومن أنكر عليه المسلمون فهو المخطئ، ومن قبَّحوا شرابه فهو القبيح، فكان جوابه مسكتاً، وحجته دامغة([2]).

2- الغِنَاء:

ومن المنكرات التي أُلِفَت، وانتشرت بكثرة في زماننا، دون نكير، إلا النادر القليل: الغناء المحرم، الذي لا شك في تحريمه، وبخاصة في صورته الحالية، في هذا الزمان، ولكن لما انتشر، وألفه الناس، واشتركوا فيه، لم ينكروه، وصار عند الكثير منهم أمراً معتاداً.

وقد رأيتُ عجباً، وسمعتُ ما هو أعجب، واقعة حدثت بين صاحب (مقهى نت) ورجل (شايب) ذي لحية بيضاء، يقول لصاحب المقهى، وقد ناوله جهازاً صغيراً: حملْ لي أغاني كثيرة، معي بنات عروسات، فرد عليه: أبشر، سأحمل لك أغاني كثيرة، وأغاني رقص نساء، وكذا وكذا، فقال له (الشايب): وحملْ أيضاً أغنية كذا وكذا، وصار يُعدد له بعض الأغاني! مما أدخلني في دهشة شديدة، وحيرة عظيمة، من الرجل الكبير، وشدة جهله، وغفلته، ومن ذاك الذي يبيعه المـُحَرَّم أيضاً!

فهذا مما يدل على أن الغناء أصبح أمراً عادياً، مألوفاً، منتشراً بكثرة، لا يُستحى منه، حتى قلَّ اشمئزاز الناس منه، بل وجد من يقول: إن الحل أن نكون مرنين في الغناء، فإنه قضية أصبحت جزءاً من حياتنا، وشيئاً مألوفاً يصعب إنكاره!

3- السباب والشتائم:

ومما انتشر وأُلِفَ: كلمات، وألفاظ، وعبارات، من السباب، والشتائم، واللعان، تجري على ألسنة كثير من الناس اليوم، في كل مكان، من كلام بذيء قبيح، تسمعه في طريقك، من الصغير والكبير، كلمات مألوفة، معروفة، منتشرة، يتعامل بها الناس، فأخذوا بها وأعطوا، وقلَّبوها على جميع وجوهها السيئة، في مختلف الأساليب، وشتى التراكيب، حتى أَلِفوا هذه الألفاظ مع قبحها وشناعتها؛ لكثرة استعمالهم لها، فلا تكاد تجد من يقف لإنكارها إذا سمعها.

فقول السوء بدون مقتضٍ يبغضه الله، سواء أكان سراً أم جهراً، إلا أن الجهر به يكون أقبح، ولهذا خصّه الله في قوله: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ} [النساء: 148] لأنه أشد فحشاً؛ وأكثر جلباً للعداوة بين الناس، وأشد تأثيراً في إشاعة الجرائم في المجتمع، فإن كثرة سماع الناس للكلام السيئ القبيح، وللقول الماجن، يغري الكثير منهم بترديد ما سمعوه، وبحكايته في أول الأمر بشيء من الحياء، ثم لا يلبث هذا الحياء أن يزول، بسبب إلف الناس للكثير من هذه الألفاظ السيئة.

4- النظر إلى النساء المتبرجات في الإعلام:

ومن ذلك أيضاً: اعتياد النظر إلى الصور الخليعة، الماجنة، التي تظهر في المجلات والصحف والتلفاز، وغيرها من وسائل الإعلام، ولا سيما الصور التي فتنت الشباب، وأثارت غرائزهم الجنسية، في الأفلام، وغيرها.

فهذا مما لا شك في تحريمه، ولكن إِلفَ الناس لهذا المنكر جعله معروفاً مألوفاً، فلم يَعُد يُنكَر إلا من قبل قليل من الناس، فالله المستعان.

5- التصوير:

ومما أُلِفَ وانتشر من المنكرات أيضاً: التصوير بشتى صوره المختلفة، حتى لا تكاد تجد من يُنكر عليه، لكثرته، ولصوق الناس به، مع ما ورد فيه من التشديد، والتحذير؛ لكونه سببًا في الوقوع في الشهوة والشبهة معاً.

العلاج:

لا بد مع هذه المنكرات التي ألفها الناس التنبيه على أمور:

أولاً: لا بد من بيان خطر التدخين، بالصور الشاهدة على ذلك، وبيان العلة من تحريمه، والتذكير المتكرر بحرمته.

ثانياً: على الخطباء والدعاة بيان هذه المنكرات المألوفة، والتذكير بحرمتها، والأدلة على ذلك، وطَرْقِها في خطب الجمعة، وغيرها، وأن يُبيَّن للناس أنها وإن كانت قد انتشرت، وألفها الناس، إلا أنها تبقى محرمة، يجب على المسلم تجنبها، والحذر والتحذير منها.

ثالثاً: الإنكار على هذه المنكرات، وعدم اليأس من تغييرها، فإن الإنكار عليها: يُقلِّل من انتشارها، ويقي الناس من تعاطيها، ويدفع من وقع فيها إلى التوبة منها، ولو بعد حين.

رابعاً: مراقبة أفراد الأسرة، ونشر الوعي فيهم، وتحذيرهم؛ إذ إنهم النواة الأولى لتحصين المجتمع من هذه العادات السيئة المحرمة التي يألفها الناس شيئاً فشيئاً.

 

 

* بقلم: صادق محمد الهادي

باحث في مركز المحتسب للاستشارات



([1]) ذكريات علي الطنطاوي (5/ 228).

([2]) ينظر: أحمد بن حسن العطاس (تذكير الناس) (269 - 270).


  

عدد مرات القراءة 297
رابط المقال