بدعة الترحُّم على موتى الكافرين تعليقا على موت ستيفن هوكينج

عباس محمد

بدعة الترحُّم على موتى الكافرين تعليقا على موت ستيفن هوكينج

04 رجب 1439هـ

 



من المنكرات الخطيرة التي انتشرت بين كثيرٍ من المسلمين الذين يأخذون دينهم من الجرائد والمجلات وما يبث في التلفاز والإذاعات التي يسيطر على كثير منها نخب العلمانية ودعاة التمييع والترخص = بدعة الترحم على موتى الكفار والاستغفار لهم.

فكلما مات كافرٌ له في الدنيا طنين ورنين اشرأبت أعناق فئة من "المثقفين" مثنية عليه وداعية له بالرحمة والمغفرة، وكأنه ولي من الصالحين أو من بقية السلف الأولين!! فإذا اعترضهم معترض صاحوا به منكرين، وأقبلوا عليه بخيلهم ورجلهم زاجرين، وأمثلهم طريقة من متعالميهم يقول: هذا من البر والإقساط بالكافرين!! والله يقول:  {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8]،  وكأن الجاهل المسكين لم يقرأ قوله سبحانه: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ } [التوبة: 113-114]، وقوله - صلى الله عليه وسلم - في صحيح مسلم: «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي» ([1]) فدل ذلك على أن الترحم والاستغفار على الكافرين من الموالاة المحرمة وليس من باب البر والإقساط كما ادعى ذلكم المفتون.

ومن أسوء ما أنت راء أن يستدل بعض هؤلاء الجهلة المتعالمين على جواز الترحم والاستغفار على الكافرين بأن الله وسعت رحمته كل شيء، فلماذا تحجرون واسعًا؟! ألم يقل الله: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ..} ويقف المسكين، مع أنه لو أكمل الآية لعلم الجواب، فإن الله عز وجل يقول بعدها: {... فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} [الأعراف: 156، 157]، فرحمة الله في الآخرة لا ينالها إلا من آمن به وبرسوله، إن هؤلاء في صنيعهم واستدلالهم يشبهون ذلكم الشاعر البئيس أبا نواس (شاعر الخمر) الذي قال:

    دع المســاجد للـــعبــــاد تســكنــهـــا  **  وطف بنا حول خمّارٍ ليسقينا

    ما قال ربك ويل للذين سكروا  **  ولكـــــن قـــال ويــــــل للمــــصـــلينَ

فهذا الشاعر البائس لم ير من السياق القرآني إلا الإنذار والوعيد للمصلين، وعمي - أو تعامى - عن إكمال السياق الذي يتم به المعنى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: 4، 5].

وليت الأمر وقف عند ذلك القول الباطل إذن والله لهان الخطب، لكنّ ثالثة الأثافي والخطب العظيم أن تخرج علينا طائفة تنتسب - للأسف - لهذا الدين، كلما هلك كافرٌ له في الدنيا ذكر ومكانة - بما تركه من اختراعات أو منجزات علمية أو غير ذلك من علوم الدنيا - إذا بهؤلاء يتهكمون ويتعجبون أن يكون أمثال هذا الرجل العالم في النار وهو من قدم للبشرية كذا وكذا، فقط لأنه لم يكن مسلمًا موحدًا، في حين أن فلانًا الجاهل الذي لا قيمة له في الدنيا أو فلانًا الظالم أو.. مآله الجنة، فقط لأنه من المسلمين؟! وإنا لله وإنا إليه راجعون، ألهذا الحد وصل الاعتراض على دين الله عز وجل، هل صارت قضية الكفر والإيمان لا قيمة لها ولا وزن، وصار المعيار الفارق بين الخلق حتى في أمر الآخرة واستحقاق الجنة قائم على محض الأمور الدنيوية لا على توحيد الله والانقياد له؟ والعاقل يعلم أنه عند الموازنة والمفاضلة بين أمرين لا بد من تحديد المعيار أولًا حتى لا تختلط الأمور، فلو أن رجلًا أراد أن يعقد مقارنة وموازنة بين الطائرة والقطار مثلًا، هل يقول عاقل أن المقارنة ستكون في صف أحدهما مطلقًا، أم أن الأمر يختلف باختلاف معيار المفاضلة والموازنة؟ لا شك أن الجواب هو الثاني؛ لأننا لو اعتمدنا معيار السرعة، فالمقارنة والموازنة ستكون في صف الطائرة، أما لو اعتمدنا معيار الضخامة والطول فحينئذ تختلف النتيجة وتكون الموازنة في صف القطار، وهكذا الأمر في كل شيء يحتمل أكثر من معيارٍ للمقارنة.

ولذلك نقول: لا بد من تحديد المعيار الذي ستعقد المفاضلة والموازنة على أساسه بين الكافر العالم وبين الجاهل المسلم، هل المعيار هو العلم الدنيوي، إن كان كذلك فلا شك أن الموازنة ستكون في صف الكافر، أما إن كان معيار التفاضل في الآخرة واستحقاق الجنة، فهنا ستكون النتيجة في صف المسلم حتى ولو كان جاهلًا أو ظالمًا، فما دام مات مسلمًا موحدًا فهو في الجنة وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه بخلاف الكافر، فإن الله حرم الجنة على الكافرين، قال سبحانه: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة: 72]، ولأجل هذا المعنى، قال سبحانه: {وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [البقرة: 221]، فالمقارنة هنا في صف المسلم ولو كان عبدًا رقيقًا لا يملك حريته، لكنه عند الله خير من كل مشرك أيا كان ذلك المشرك في علمه وقوته وعقله ورأيه وغير ذلك، ولهذا قال: {وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} ويؤيد هذا ما جاء عند مسلم من حديث عائشة أم المؤمنين قالت: قلت: يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذاك نافعه؟ قال: «لا ينفعه، إنه لم يقل يوما: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين» ([2])، فهذا ابن جدعان رغم معروفه الدنيوي وعمل الخير الذي كان يصنعه في الدنيا إلا أن هذا لم يكن شافعًا له في استحقاق الجنة لماذا؟ لأنه لم يحقق الشرط المناسب لهذا المعيار وهو الإيمان.

ومن المضحكات المبكيات أن يموت (ستيفن هوكينج) وهو ملحد لا يؤمن بالخالق ولا بالجنة والنار، وأنفق عمره وجهده في دعوة الناس لهذا الكفر وتشكيكهم في دينهم وخالقهم، ومع ذلك يتهيأ للترحم عليه والاستغفار له والثناء عليه بعض المسلمين!! ولا حول ولا قوة إلا بالله. وفيما ذكرناه كفاية لمريد الحق وعتاد، أما من أصر على الاعتراض بجهل وعناد، فليس لنا عليه من سبيل.

ومن البليةِ عذلُ مَن لا يَرْعوي ** عن جهله وخطابُ مَن لا يفهمُ

اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، اللهم آمين.

وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

 


*بقلم/ عباس محمد
باحث في مركز المحتسب للاستشارات

 


([1]) مسلم (976).

([2]) مسلم (214).

 


  

عدد مرات القراءة 110
رابط المقال