المصلحون في الأمة

المصلحون في الأمة

19 جمادى الثانية 1439هـ

 وجود المصلحين في الأمة يُعد أمنة لها من العذاب والهلاك، فهم سبب من أسباب منع العذاب، ودفع العقاب، ووجودهم فيها علامة على حياتها، وبقائها، وسلامتها، ونجاتها، وخيريتها.

وليست هذه الكرامة للصالحين الساكتين، الذين يعيشون في أوساط المنكرات دون نكير ولا تأثير، فإن هؤلاء وإن كانوا صالحين، فإن صلاحهم لأنفسهم، وخيرهم قاصر عليهم، ولهذا لما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: ((نعم، إذا كثر الخبث))([1])، فيهلك أهل الفساد ويهلك معهم الصالحون، وقد دلّ القرآن على هذا المعنى، حيث قال تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود (117)] فخصّ بالذكر المصلحين دون الصالحين، وهم المتعاونون في الإصلاح، الآمرون بالمعروف، الناهون عن المنكر، القائمون بواجبهم في ذلك.

فوجود الصالحين لا يمنع العذاب، ولا يرفع الهلاك، كما يمنعه كثرة المصلحين، فقد يهلَك الصالحون مع مَن هَلَك، ويُبعثون على نياتهم، وهذا يدل على أنَّ الشأن كل الشأن في كثرة المصلحين، القائمين على أمر الله، القائلين بالحق، الصادعين به.

• وقد جاء في وصفهم أنهم الغرباء، الذين يصلحون ما أفسده الناس، ففي الترمذي مرفوعاً: ((فطوبى للغرباء، الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي))([2])، وفي مسند الإمام أحمد: ((طوبى للغرباء)) فقيل: من الغرباء يا رسول الله؟ قال: ((أناسٌ صالحون، في أناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم))([3]). والمراد بالصالحين هنا المصلحين بلا شك؛ لأنه قال: ((من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم)) وهذا دليلٌ على أنهم يأمرون وينهون، فهم ليسوا صامتين، فالصالح بالمفهوم الشرعي لا يكون صالحاً كامل الصلاح إلا إذا كان مصلحاً أيضاً.

وسبب غربتهم: أنهم مخالفون للناس في أعمالهم وصفاتهم، يأمرونهم بالحق الذي أضاعوه، وينهونهم عن الباطل الذي ألفوه، فهم فيهم غرباء، أما الصالح الذي قد خالط المنكرات، وعايش الباطل، وعاش فيه غير مكترث به، فليس بغريب.

•والمصلحون أكثر الناس اتباعاً واقتداء بالأنبياء، الذين هم المثل الأعلى في الصلاح والإصلاح، وقد قال شعيب: {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ} [هود: 88]، أي: ما أريد بالأمر والنهي إلا إصلاحكم، ودفع الفساد عنكم، وعن دينكم، وعن معاملاتكم، وكذلك {قَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ} [الأعراف: 142] فأمره بالإصلاح الذي هو فوق الصلاح.

فالأنبياء جاءوا بالصلاح والإصلاح، والمراد بالإصلاح: الإصلاح العام للحياة، والمجتمع، والأفراد.

•والمصلحون أكثر الناس بذلاً ونفعاً وعطاءً وتضحية؛ لأنهم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، وهذا هو شأن المصلحين في كل زمان ومكان، فهم يحبون الخير للناس، ويحرصون على نفعهم، يقول أبو هريرة: "كنتم خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل، حتى تدخلوهم الجنة"([4]).

•والمصلحون أجرهم أعظم، وفضلهم أكبر من غيرهم؛ لأنهم لا يعيشون لأنفسهم، ولا يقتصر صلاحهم على أنفسهم، بل صلاحهم متعدٍ إلى غيرهم.

•وهم أكثر الناس ابتلاء ومحنة، وأكثرهم عرضة للأذى؛ لأنهم يقفون ضد رغبات المفسدين، وشهواتهم؛ ولهذا قد يُؤذَون ويُفتنون في دينهم، بينما غيرهم يعيشون في سلامة، وراحة ودَعة، لمسايرتهم للباطل وأهله، والسكوت عن المنكرات ومرتكبيها؛ يقول أبو ذر رضي الله عنه: "ما ترك الحق لي صديقاً"([5])، ويقول أويس القرني رحمه الله: "إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يدع للمؤمن صديقاً"([6])، فهذه سنة الله فيمن نذر نفسه لمقاومة الباطل، أنه يلاقي من المفسدين بلاءً وعنتاً، لكن العاقبة والنجاة له، كما قال الله: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 165].

• والمصلحون يدعو لهم كل شيء، كما جاء في الحديث: ((إن الله، وملائكته، وأهل السماوات والأرضين، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير))([7]).

فكل هؤلاء المذكورين يدعون لـ(معلم الناس الخير) لأن نفعه متعدٍ، متجاوز إلى الخلائق، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت في البحر، أما نفع الصالح فمقصور على نفسه، فلا ينال هذه الفضيلة الصالحون، الذين اقتصر صلاحهم على أنفسهم، وإنما هذا الفضل والتفضيل خاصٌّ لمن شملت بركة علمه، وأمره ونهيه، وصلاحه وإصلاحه غيره من الخلق، جعلنا الله منهم، بمنه وكرمه، آمين.



([1]) أخرجه البخاري (4/138-3346) ومسلم (4/2207-2880).

([2]) أخرجه الترمذي، ت: شاكر (5/18-2630) وقال الترمذي: "هذا حديث حسن".

([3]) أخرجه أحمد، ط: الرسالة (11/230-6650) وقال محققو المسند: "حديث حسن لغيره".

([4]) مجموع الفتاوى (16/316).

([5]) أنساب الأشراف (5/544).

([6]) الاعتصام للشاطبي (1/32).

([7]) أخرجه الترمذي، ت: شاكر (5/50-2685) وصححه الألباني.


  

عدد مرات القراءة 172
رابط المقال