باحث أكاديمي يرد على دعوات منع إغلاق المحال وقت الصلاة (دراسة شرعية)

باحث أكاديمي يرد على دعوات منع إغلاق المحال وقت الصلاة (دراسة شرعية)

21 جمادى الأولى 1439هـ

 – «الأمر بالمعروف» ترد على الدعوات المشبوهة لمنع إِغْلَاق المحلات وقت الصَّلَاة

 –باحث أكاديمي يفند شبهات البعض لمنع إِغْلَاق المحلات وقت الصَّلَاة

 – «دراسة شرعية» تكشف فوائد إِغْلَاق المحال وقت الصَّلَاة

 –النص النِّظَامي وعلاقته بإِغْلَاق المحال وقت الصَّلَاة

 –خِتَاماً.. شبهات وردود ومفاسد متوهمة

انتشرت على مواقع التواصل الاجْتِمَاعِيّ، فِي الأيام الماضية، دعوات مشبوهة لمُغَرِّدين، تطالب بتغيير قانون إِغْلَاق المحلات التِجَارِيّة أوقات الصَّلَاة، وفتح المحال التِجَارِيّة.

الأمر لم يقتصر على تلك الدعوات المشبوهة بمواقع التواصل الاجْتِمَاعِيّ فقط؛ حيث امتد الأَمْر إِلَى بعض الكتَّاب فِي عدد من الصحف، الذين طالبوا بالتوقف عن إِغْلَاق المحلات وقت الصَّلَاة فِي المَمْلَكَة، دون سند شرعي أو نظامي يذكر.

مُغَرِّدون يردون على الأكاذيب

هذه الدعوات، أشعلت موقع التواصل الاجْتِمَاعِيّ “تويتر” دِفَاعاً عن #إِغْلَاق_المحلات_وقت_الصَّلَاة؛ حيث رد المُغَرِّدون على مزاعم وحجج “البعض” الذين طالبوا بمنع إِغْلَاق المحلات وقت الصَّلَاة، والادعاءات بأنها تعطل مصالح المواطنين، وَأَكَّدُوا على ثوابت المجتمع المسلم وهويته، والنِّظَام الأساسي للحكم، وتحكيم شرع الله فِي جميع مناحي الحياة مُنْذُ تأسيس المَمْلَكَة، واقترح “البعض” عبارة “سبقناكم للصلاة.. الحق بنا”، بَدَلاً من “مغلق للصلاة”.

وكانت صَحِيفَة أمريكية تدعى “فلب بورد”، زعمت مُؤخَّراً، أن إِغْلَاق المحال وقت الصَّلَاة فِي المَمْلَكَة يكلف الاقتصاد 120 مليار ريال فِي السنة.

«الأمر بالمعروف»

لم تكن هَيْئَة الأَمْر بالمعروف والنهي عن المنكر، بمنأى عن هذه الدعوات المشبوهة، التي تطالب بعدم إِغْلَاق المحلات التِجَارِيّة وقت الصَّلَاة؛ حيث أَصْدَرَ الرئيس العام لهَيْئَة الأَمْر بالمعروف والنهي عن المنكر الشيخ عبدالرحمن السند، الأحد 4 فبراير الحالي، بَيَاناً للرد على تلك الدعوات.

وقال “السند”، “من أعظم أَعْمَال الملك عبدالعزيز عند تأسيس المَمْلَكَة أن جعل رجالاً يأمرون الناس فِي الأسْوَاق العَامَّة بأداء الصَّلَاة، وحث الناس على ذلك، وسار على ذلك أبناؤه البررة وجرى عليه العمل إِلَى وقتنا هذا”.

وأَضَافَ، أن من أعظم الأركان التي تقوم عليها الدولة المسلمة؛ إقام الصَّلَاة، لقوله تعالى: الَّذينَ إِن مَكَّنّاهُم فِي الْأَرْض أَقامُوا الصَّلَاة وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَروا بِالمَعروفِ وَنَهَوا عَنِ المُنكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الأُمورِ [الحج: 41]”.

وَتَابَعَ، من إقام الصَّلَاة؛ الأَمْر بها، والحث عليها، والتحذير من التهاون فِي أدائها، ومن ذلك؛ الأَمْر بها فِي الأسْوَاق، والمحلات، والأمَاكِن العَامَّة، مُضِيفاً: “من تعظيم شعائر الله، تعظيم شأن الصَّلَاة، ومن تعظيم شأنها عدم الالتهاء عنها بالبيع والشراء، قَالَ تعالى: ?في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصَّلَاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار?. [النور: 36_37]”.

إِغْلَاق المحلات بين الشريعة والنِّظَام

الأمر لم يقتصر فِي الرد على هذه الدعوات المشبوهة، على هَيْئَة الأَمْر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ حيث نشر الدكتور صالح بن علي الشمراني، الباحث الأكاديمي، بدوره، بحثاً تشريعياً، تحت عنوان: “إِغْلَاق المحلات التِجَارِيّة للصلاة بين الشريعة والنِّظَام”، بِشَأْنِ مَا أثير مُؤخَّراً عن منع إِغْلَاق المحلات التِجَارِيّة وقت الصَّلَاة، مُؤكِّداً أن “إِغْلَاق المحلات وقت الصَّلَاة واجب”.

وناقش البحث – الذي نشر فِي مجلة الجَمْعِيَّة الفقهية السعودية – 3 مباحث أساسية عن منع إِغْلَاق المحلات وقت الصَّلَاة، الأول: من رأى بدعيته، أما الثَّانِي: من رأى أنه خلاف المصلحة، أما الثالث: من رأى أنه ليس بواجب.

وقال الدكتور صالح الشمراني، ‘‘إن القول بأن إِغْلَاق المحلات وقت الصَّلَاة ليس بواجب، مَا هو إلَّا جرأة على الشريعة وعمل الأمة وإقرار الأئمة سلفاً وخلفاً”.

حكم إِغْلَاق المحال وقت الصَّلَاة

وتعرض البحث، لعدة مطالب أهمها: “حكم صلاة الجماعة، ومشروعية إِغْلَاق المحلات التِجَارِيّة أثناء إِقَامَة الصَّلَاة، والفرق بين الإلزام بالصَّلَاة والإلزام بإِغْلَاق المحلات، بِالإِضَافَةِ إِلَى الشبهات التي أثارها البعض والردود عليها.

وأَوْضَحَ “الشمراني”، أن “من الشعائر العظيمة فِي الإسلام شعيرة الصَّلَاة التي جعلها الشرع فارقاً بين الإسلام والكفر؛ حيث جُعل مجرد الإعلام بدخول وقتها دليلاً على إسلام أهل القرى واستحقاقهم للأمان والسلام، وأن مِمَّا يدل على عظم شعيرة الصَّلَاة، أن تاركها مُطْلَقاً كافر عند جماهير السلف والخلف، وأنها أفضل الأَعْمَال بعد الشهادتين”.

وأكد، أن “الْعُلَمَاءُ اتفقوا عَلَى أَنَّ إِقَامَة الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي الْمَسَاجِدِ هِيَ مِنْ أَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ وَأَجَلِّ الْقُرُبَاتِ، وأنها واجبة”، وسرد البحث العديد من أدلة وجوب صلاة الجماعة على الذكر المقيم الصحيح من الْكِتَاب وَالسُّنَّة.

وتطرق البحث إِلَى مشروعية إِغْلَاق المحلات التِجَارِيّة أثناء إِقَامَة الصَّلَاة، مستنداً إِلَى أدلة من الْكِتَاب وَالسُّنَّة القولية والفِعْلِية والتقريرية وعمل الصحابة وسلف الأمة والنظر الصحيح المبني على القواعد الشَّرْعِيَّة والمراعي لمقاصد الشريعة.

فوائد إِغْلَاق المحال وقت الصَّلَاة

وَأكَّدَ البحث، أن إِغْلَاق المحلات وقت الصَّلَاة فيه العديد من المصالح الدينية والدنيوية منها: أَنَّ فيه تعظيماً لله – سبحانه – وإجلالاً لأمره ونهيه، وتقديم مَا يحبه الله ورسوله على الدنيا وحطامها، وفيه انْتِصَار على أهواء النفس، وإِظْهَار لشعائر الإسلام، وفيه تعظيم لقدر الصَّلَاة، وإِظْهَار لمنزلتها فِي الإسلام وتعاون على أعظم البر فيه، وفي هذا العمل ظهور عزة الإسلام وأهله، وقوة ارتباطهم بدينهم على خلاف تدين الملل الأُخْرَى التي لا تظهر إلَّا فِي بيعهم وكنائسهم.

وَتَابَعَ، أن من فوائد إِغْلَاق المحلات وقت الصَّلَاة، أن فيه دعوة لغير المسلم حين يرى صورةِ مشرقة عن عظمة هذا الدين الحنيف فيترك ذلك أثراً كبيراً فِي نفسه حين مشاهدة هذه المظاهر الإيمانية للمسلمين، وقد ذكر هذا بعض حديثي الإسلام وأخذ هذا الفعل بألباب بعض غير المسلمين كما جاء فِي كثير من اللقاءات الصحفية والفضائية.

وَأكَّدَ أن إِغْلَاق المحال وقت الصَّلَاة فيه تذكير للغافل من المسلمين عن الصَّلَاة؛ فقد لا يكون من المُصَلِّينَ فحين يرى الناس يقدمون أفواجاً إِلَى مساجد الأسْوَاق يستيقظ قلبه ويزداد إيمانه ويتوب عن تفريطه.

وأوضح، أن فيه تعاوناً على البر والتقوى وإعانة للتجار والعمال على إِقَامَة الصَّلَاة والخشوع فيها، ولو ترك لتهاون بعض التجار فِي أداء الصَّلَاة طمعاً فِي زيادة الصفقات، وفيه تجديد للإيمان وتذكير بالله تَعَالَى بعد غفلة السوق والبيع والشراء ومساعدة لأرباب السوق فِي التغلب على شهوة المال المحرم فإن: “الصَّلَاة تنهى عن الفحشاء والمنكر”.

وَأَشَارَ إِلَى أن إِغْلَاق المحلات وقت الصَّلَاة “فيها تخفيف عنهم وإراحة لهم بالصَّلَاة بعد عناء العمل؛ كيف وفيها راحة القلب والبدن كما كان يقول فيها رسول الله: “يا بلال أقم الصَّلَاة أرحنا بها”.

النص النِّظَامي

وتطرق البحث إِلَى النص النِّظَامي لإِغْلَاق المحلات أثناء الصَّلَاة ووجوب التزامه؛ حيث أَوْضَحَ أن اللائحة التنفيذية لنظام هَيْئَة الأَمْر بالمعروف والنهي عن المنكر الصادر بقرار مَعَالِي الرئيس العام لهَيْئَة الأَمْر بالمعروف والنهي عن المنكر رقم (2740) وتاريخ 24/12/1407هـ ونشرت فِي جريدة أم القرى فِي عددها رقم (3203) وتاريخ 30/7/1408هـ فيما يتعلق بالصَّلَاة فِي الباب الأول من اللائحة، نصت المادة الأولى على أن من أعظم واجبات الهَيْئَة العناية بالصَّلَاة وإقامتها.

وأوضح، أن “اللائحة قصرت الإلزام على التأكد من إِغْلَاق المحلات؛ حِفَاظاً على سياج الشريعة وعناية بأعظم شعائرها وهي الصَّلَاة”.

وَتَابَعَ، أن “هذا النِّظَام يحقق مقصداً عظيماً من مقاصد الشريعة وَهُوَ حفظ الدين فإن التزام هذا النِّظَام واجب شرعي ونظامي، ومعلوم أن أمر ولاة الأمور واجب الطاعة لهم مَا لم تكن فِي معصية الله تَعَالَى كما قَالَ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْر مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْم الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً”.

الإلزام بإِغْلَاق المحلات

وأوضح، أن هناك فرقاً بين الإلزام بالصَّلَاة والإلزام بإِغْلَاق المحلات، فالإِغْلَاق نفسه لا يترتب عليه حكم لذاته لكنه من باب مَا لا يتم الواجب إلَّا به فهو واجب، فالواجب هو الامتناع عن البيع إذا أقيمت الصَّلَاة – وتوجه من تلزمه الجماعة لحضورها – فإذا تعذر هذا الامتناع إلَّا بالإِغْلَاق وجب، ويكون الإِغْلَاق علامة فقط على امتثال الواجب.

شبهات وردود

وأَوْضَحَ البحث؛ رَدّاً على الشُبْهَة القائلة: إن فِي إِغْلَاق المحلات أثناء الصَّلَاة قطعاً للأرزاق أو إضعافاً للقوة الاقْتِصَادِيَّة، أن الواقع خلاف ذلك فإن الأرزاق والمكاسب فِي المَمْلَكَة “مع إِغْلَاق المحلات أثناء الصَّلَاة” أكثر وأقوى من غيرها من الدول التي لا تغلق فيها المحلات أثناء الصَّلَاة.

وَأكَّدَ أن “الشرع يكذب ذلك فقد جاء فِي سياق الأَمْر بالصَّلَاة ضمان الرزق كما فِي قوله تعالى: “وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاة وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى”.

وَأَشَارَ إِلَى أن الصَّلَاة لا تستغرق سوى دقائق معدودة لا تصل بالتجارة إِلَى مَا يتوهم من الخسارة، مُؤكِّداً أن الناس يغلقون طوعاً أو كرهاً كما فِي بعض البلدان والأوقات لأجل الراحة، والنوم، والطعام؛ فالإِغْلَاق لأجل الصَّلَاة أولى.

وَتَابَعَ، أن الناس وقت الصَّلَاة ينجفلون إِلَى المساجد خَاصَّة فِي بلاد الحرمين – حرسها الله – فلم الدعوة إِلَى إبقاء محلاتهم مفتوحة وفي بقائها كذلك زيادة ضرر فِي تكاليف الكهرباء والعمال.

وقال الباحث؛ رَدّاً على “الاحتجاج بالضرورة لمثل الصيدليات ومحطات الوقود، وأن إِغْلَاقها للصلاة قد يتسبب لحالات طارئة بالضرر أو الوفاة”، إن هذه الحالات الضرورية نادرة الوجود والنادر لا حكم له، وأن المستوصفات والمُسْتَشْفَيات لا تتوقف الطوارئ فيها لأجل الصَّلَاة بل العمل جارٍ على التناوب، وأنه يمكن الاحْتِيَاط فِي مسألة الوقود قبل دخول وقت الصَّلَاة.

مفاسد متوهمة

وَأكَّدَ فِي ختام البحث، أن كل مَا ذكر من مفاسد جَرَّاء إِغْلَاق المحلات فهي إما مفاسد متوهمة، وإما مفاسد قليلة واقعة لكن تقديم مصلحة الدين أولى من اعتبارها، وإما مفاسد يمكن تداركها قبل أو بعد الصَّلَاة، وما كان فِي مرتبة الضروريات يرخص فيه رخصة خَاصَّة لا عَامَّة، وهذا حاصل بحمد الله كما فِي المُسْتَشْفَيات ونحوها.

وَتَابَعَ، “أمَا جَعَل الضرر بالإِغْلَاق هو الأصْل فهو من قلب الحقائق، بل الضرر حاصل بالاشتغال فِي المحلات وقت الصَّلَاة وترك الذهاب إِلَى المساجد، وقد قَالَ الله تَعَالَى فِي حق من أعرض عن البيع وأقبل على ذكر الله: “ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون”، وقال بعد وصف الرجال الذين لا تلهيهم التجارة والبيع عن ذكر الله: “وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ”، وفي هذا دليل على أن إِغْلَاق المحلات لأداء الصَّلَاة فِي المساجد سبب فِي زيادة الأرزاق لا نقصها، وقد أكَّدَ سبحانه هذا المعنى فِي قوله فيمن تلهيهم تجارتهم وبيعهم عن الصَّلَاة فِي المسجد: “وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ”.

نتائج مُهِمَّة

وتوصل البحث إِلَى عِدَّة نتائج أهمها: أن إِغْلَاق المحلات التِجَارِيّة أثناء الصَّلَاة المفروضة دل عليه الْكِتَاب وَالسُّنَّة وعمل الأمة، وأن الإلزام بالإِغْلَاق لا يعني إلزام الناس بالصَّلَاة فِي الجماعة، ولم ينص عليه النِّظَام، وإنما نَصّ على الإلزام بالإِغْلَاق رعاية لشأن الصَّلَاة مع حث الناس على المحافظة عليها، وفي ذلك مراعاة للحائض والمسافر والكافر ممن لا تجوز منهم الصَّلَاة أو لا تجب فِي حقهم صلاة الجماعة.

http://twasul.info/1052498/

 


  

عدد مرات القراءة 61
رابط المقال