قبل أن يكون المنكر جهاراً

قبل أن يكون المنكر جهاراً

20 جمادى الأولى 1439هـ

القيام بالحسبة هو الضامن في حماية المجتمعات من الوقوع في مستنقع الفواحش، وظهورها، ومن ثمَّ الهلاك؛ لأن هذه الشعيرة سفينة النجاة، كما جاء في الخبر الذي شبَّه المجتمع بالسفينة.

فإذا تخلت الأمة عن ذلك، حلَّت بها مصيبتان، إحداهما أشد من الأخرى:

الأولى: أن يقع المنكر مستعلناً به، يمارسه أهله جهاراً نهاراً، ولا يجدون من ينكر عليهم.

الثانية: وهي أسوأ من الأولى: أن يصير المنكر معروفاً، والمعروف منكراً؛ وذلك حين تنطمس البصائر، وتنتكس الفطر.

وقد أخبر النبي عن نتيجة الأولى بقوله: ((ولم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون، والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا))([1]). وبقوله: ((إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم، وهم قادرون على أن ينكروه، فلا ينكروه...))([2]).

وأخبر عن الثانية بقوله عن أصناف القلوب: ((... والآخر أسود مرباداً، كالكوز مجخياً -منكوساً- لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً))([3]). ولا خير يومئذٍ.

والمنكرات تبدأ خُفيةً، ثم تتدرج في الظهور، حتى يُجاهر بها أصحابها أمام الملأ، فتكون عندئذٍ في قمة النكارة، كما ذمّ الله قوم لوط بقوله: {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ} [العنكبوت (29)].

فهؤلاء القوم وصلوا إلى مرحلة متقدمة في الفحش، فصاروا يفعلون المنكر في النادي، وهو مجتمع الناس؛ وهذا يعني أنهم كانوا يجاهرون بالمنكر أمام الناس، وربما يُفاخرون بذلك؛ ولهذا استحقوا هذا الذم {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ} [الأعراف (80)] فهم السابقون إلى هذا الخنا نوعاً وكيفاً، حتى لم يعودوا يُعرَفون ويُذكَرون إلا به!

والإسلام لا يقر المجاهرة بالمعصية، صغيرة كانت أم كبيرة؛ لما للمجاهرة من الآثار السيئة الكبيرة، ليس على فاعلها فقط وإنما على المجتمع؛ إذ في المجاهرة تحريض على فعلها، ومن ثمَّ فشوها، وكثرتها.

ومن أجل ألا نصل إلى هذه المراحل من السوء، لا بد من:

عدم السكوت عن المنكرات؛ لأن ذلك يفتح باب المجاهرة بها، وإظهارها، والتفاخر بها، فيُؤدي ذلك إلى انتشارها وإلفها، فإن سكت الجميع، فالكل عاصٍ، هذا بفعله، وذاك برضاه.

الحرص -ما أمكن- على ستر ما خَفِي من الفواحش؛ لأن في إشاعتها ونشرها سبيلاً إلى الترويج لها، والتساهل في أمرها.

فينبغي الستر على النفس، في حال الوقوع في ذنب، مع التوبة إلى الله؛ لأن المجاهرة بالذنب ذنب، وفي الحديث: ((من أصاب من هذه القاذورات شيئاً، فليستتر بستر الله))([4]).

فيحرم على المرء التحدث بمعصية نفسه وبمعصية غيره؛ لما في ذلك من إذاعة الفاحشة، وفي الحديث: ((وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه))([5]).

والله يغفر لكل المذنبين إلا المجاهرين، لقبح فعلهم، وقلة حيائهم، حيث يسترهم الله فيفضحون أنفسهم، ويفضحون الناس، فيكف يرضى مسلم بهذا؟!

فمن جاهر فهو من الهالكين، ويكون آثماً من جهتين:

من جهة أنه فعل معصية، ومن جهة أنه جهر بها، وقد تجر عليه المجاهرة آثاماً كثيرة، بما يتسبب عن معصيته من شيوع الفاحشة، وسوء الاقتداء به، فيستمر إثمه إلى يوم القيامة، فهو مسيء إلى نفسه أولاً، ومسيء إلى غيره ثانياً، ومسيء إلى الشريعة ثالثاً، ومتعدٍّ على الحق العام.

تعاون المسلمين على الوقوف عند حدود الله، ونشر الخير، وإشاعته، وإماتة الشر ودفنه، حتى تخفت المنكرات، ويُستتر بها.

الأخذ على أيدي السفهاء الذين يجاهرون بالمنكرات، قبل أن تستفحل مجاهرتهم؛ لأنهم إذا علموا أنَّ هناك من يردعهم كفوا، وقد قال أحد هؤلاء:

أُطوِّف في الأباطح كُلَّ يوم *** مَخَافَةَ أن يُشرِّد بي حَكيمُ([6]).

وكان حكيمٌ رجلاً من بني سليم، ولَّته قريش الأخذ على أيدي السفهاء([7]). فكان السفهاء المجاهرون يهربون منه.

ولله در عمر، حيث كان يقول على المنبر: "أيها الناس خذوا على أيدي سفهائكم"([8]).

وكان النعمان بن بشير يقول: "يا أيها الناس خذوا على أيدي سفهائكم قبل أن تهلكوا"([9]).

فلا بد من الأخذ على أيدي المجاهرين، حتى لا تؤدي مجاهرتهم بمنكراتهم إلى فساد العامة، ولله در أبي الأسود إذ يقول:

وما لحليم واعظٌ مثل نفسه *** ولا لسفيه واعظ كحليم([10]).

فإذا تُرك هؤلاء يجاهرون بما شاؤوا، فيُخشى أن يحلَّ بالأمة ما حل بمن قبلها من سالف الأمم، سنة الله التي قد خلت من قبل، ولن تجد لسنه الله تبديلاً.



([1]) ابن ماجه (2/ 1332-4019) وحسنه الألباني.

([2]) أحمد (29/ 258-17720) وهو "حسن لغيره".

([3]) مسلم (1/ 128-144).

([4]) هذا لفظ الموطأ (2/ 22-1769) وأصله في الصحيحين.

([5]) البخاري (8/ 20-6069) ومسلم (4/ 2291-2990).

([6]) غير منسوب، العين (6/ 242).

([7]) زاد المسير (2/ 219).

([8]) تاريخ المدينة لابن شبة (3/ 793).

([9]) الزهد لابن المبارك (1/ 475-1349).

([10]) الصداقة والصديق (ص: 226).


  

عدد مرات القراءة 108
رابط المقال