الحسبة وطريق النصر

الحسبة وطريق النصر

16 ربيع الثاني 1439هـ

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ أما بعد:

فما من عاقل إلا وهو يبحث عن النصر، والنصر كسائر المطلوبات له اشتراطات، وقد أفصح القرءان الكريم والسنة النبوية عن سر من أسرار النصر، فقال تعالى: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 40-41]، قال العلامة الشنقيطي رحمه الله: "وفي قوله تعالى: الذين إن مكناهم في الأرض الآية [22/41]، دليل على أنه لا وعد من الله بالنصر، إلا مع إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فالذين يمكن الله لهم في الأرض ويجعل الكلمة فيها والسلطان لهم، ومع ذلك لا يقيمون الصلاة ولا يؤتون الزكاة، ولا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر فليس لهم وعد من الله بالنصر؛ لأنهم ليسوا من حزبه، ولا من أوليائه الذين وعدهم بالنصر، بل هم حزب الشيطان وأولياؤه، فلو طلبوا النصر من الله بناء على أنه وعدهم إياه، فمثلهم كمثل الأجير الذي يمتنع من عمل ما أجر عليه، ثم يطلب الأجرة، ومن هذا شأنه فلا عقل له"[1]، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " فمن قام بهذه الأمور نصره الله على عدوه"[2]، فالله تعالى ما مكنهم ولا نصرهم لذاتهم، ولكن ليقوموا بمهمة الإصلاح، وليستكملوا مسيرة أبيهم آدم عليه السلام والذي خلقه الله تعالى لحكمة قال عنها: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]، وهذا هو شأن الأمة الإسلامية كلها، الأمة الموصوفة بقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110[، فهي خير أمة لأنها أمة إصلاح وتغيير، فالأمة المسلمة لا تبقي على منكر مع القدرة على التغيير، ولا تتخاذل عن معروف مع قدرتها على إقامته، فسر نصر الأمة، بل سرُّ بقائها هو وجود المصلحين، الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر، والداعين إلى الخير، قال تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود: 117]، "أي بأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر"[3]، وعن زينب بنت جحش، رضي الله عنهن أن النبي صلى الله عليه وسلم، دخل عليها فزعا يقول: «لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه» وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها، قالت زينب بنت جحش فقلت يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث»[4]، فالخبث والفجور إذا كثر قد يحصل الهلاك العام، وإن كان هناك صالحون، ولقد أخبر القرءان الكريم أن من أسباب طرد بني إسرائيل من رحمة الله تعالى ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال تعالى:  {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } [المائدة: 78، 79]، فالطرد من رحمة الله تعالى ينتظر التارك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهل لإنسان من قيام بلا رحمة الله؟ فالمطر برحمته، والرزق برحمته، والنصر برحمته، وكل خير برحمته.

فاللهم احفظ بلادنا وبلاد المسلمين برحمتك، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.



[1] أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (5/ 266).

[2] مختصر الفتاوى المصرية (ص: 273).

[3] تفسير القاسمي = محاسن التأويل (6/ 140).

[4] صحيح البخاري (4/ 138/3346).


  

عدد مرات القراءة 205
رابط المقال