صادق محمد مهيوب الهادي

ركنا الخيرية

14 ربيع الثاني 1439هـ

اتَّصفت هذه الأمة بهذا الوصف الحصري (خير أمة) وهذه الخيريَّة الواردة في الآيات والأحاديث راجعةٌ لإيمانها الحق؛ ولنفعها المتعدي، وفضيلة ما تقوم به من أعمال شملت عمل القلب وعمل الجوارح، تميَّزت بها عن غيرها من الأمم، والتخلِّي عن تلكم الأعمال، يعني: خروجها عن هذا الوصف، وذوبان شخصيتها بين الأمم، وإعدام لميزتها التي ميَّزها اللهُ بها، وهيَّأها اللهُ لها، وأناط بها عزَّها ومجدها وشرفها، حيث تندرج بهذا التخلي ضمن الدول الجاهلية، والأمم العلمانية، متشبِّهةً بشعائرهم وشعاراتهم.

ولهذا تجد أنَّ اللهَ تعالى حين وَصَفَ هذه الأمة بهذا الوصف (خير أمة) أتى به مقروناً بِذِكْرِ العمل الذي نالت به الخيرية، بياناً لعلة تلك الخيرية، ولم يجعل هذه الخيرية مطلقة، وإلا لما تكلَّفت الأمةُ عناءً، ولا بذلت جهداً، ولكن قيَّدها بقيود، إذا وُجِدت وُجِدت الخيرية، فهي كالحُكم مع العلة، فالحُكم يدور مع علته حيث دارت، فإذا وُجِدت وُجِدَ الحكم، وإذا انتفت انتفى الحكم.

فهي خيرية ليس لذاتها، وإنما خيرية فضائل وعَمَل، لا خيرية جنس، ولا لون، فليست باعتبار اللون، ولا باعتبار الجنس، وإنما خيرية دين وعقيدة وشريعة؛ إذ لم تنلها هذه الأمة مصادفةً، ولا اتفاقاً، ولا جزافًا، ولا محاباةً؛ فإنَّ اللهَ -سبحانه وتعالى- منزهٌ عن ذلك.

إذ يقول سبحانه: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} فهي خيرية مطلقة، وخيرية تشمل كل الخيرات؛ فهي خيرُ أمةٍ عقيدةً وشرعاً، وخير أمةٍ عملاً، وخير أمة علماً، وخير أمة هدايةً، وخير أمة عبادةً، فهي خيرية مطلقة من جميع الوجوه، كما أنها خيرية عامة في الدنيا والآخرة، والخيرية في الدنيا تدل على الخيرية في الآخرة، فالخيرية في الدنيا: القيادة والريادة والسيادة، وأما الخيرية في الآخرة: فهي أول الأمم قضاءً بينهم، وهي أول من يحاسب تشريفاً وتعظيماً وتكريماً لهذه الأمة، كما كرَّم اللهُ وشرَّف وعظَّم نبيها بالمقام المحمود.

ثم يقول سبحانه: {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: (110)].

فبهذين الأمرين العظيمين استحقَّت أن تكون خير أمة أخرجت للناس؛ على أنهما ليسا كل أسباب الخيرية؛ إذ هناك أمور وخلال كثيرة، أهَّلت هذه الأمة لهذه الخيرية، ولكن هذين أهمهما وأعظمهما؛ ولا تدوم ولا تستمر هذه الخيرية ولا تحفظ، إلا بإقامتهما وأدائهما، فإنْ فُقدا في جيل من الأجيال لم يكن حرياً بهذه الخيرية التي حظيت بها هذه الأمة.

وقد عدهما كثيرٌ من السلف شرطاً في استحقاق الخيرية، المشار إليها في هذه الآية، كما جاء عن عمر -رضي الله عنه- أنه قرأ: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} فقال: "يا أيها الناس من سرَّه أن يكون من تلك الأمة، فليؤدِ شرط الله منها"([1]).

فهي إذن خيرية معللةٌ بصفتين، ولا بد أنْ تَجْمَعَ بين أمرين:

النفع المتعدي:

فمما يُميِّزُ هذه الأمة: أنها أمةٌ آمرةٌ بالمعروف، ناهيةٌ عن المنكر، وقد يكون في بعض الأمم من يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، لكن ليس كهذه الأمة في وجوب هذه الشعيرة، وشمولها، وكمالها فيها، وبقائها، فهي خصيصة باقية في هذه الأمة إلى قيام الساعة.

فهذه الأمة أكثر الأمم قياماً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فخيرُ هذه الأمة ونفعها متعدٍ يصل إلى الناس جميعاً، والنفع المتعدي أفضل من النفع القاصر بلا نزاع؛ فهي أمة تَحَقَّقَ فيها الكمال والتكميل؛ والصلاح والإصلاح؛ ولهذا فالجامِع بين هذين الأمرين بحيث يكون كاملاً في نفسه، ومكملاً لغيره هو الأعظم عند الله.

وقد روى أبو هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: ((عَجِبَ اللهُ من قومٍ يدخلون الجنة في السلاسل))([2]).

وعنه -رضي الله عنه- قال: "خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم، حتى يدخلوا في الإسلام"([3]).

فالخيرية في هذه الأمة ليس بسبب أنها أمةٌ تُقِيمُ الحقَ في إطار نفسها فقط، وتترك العالم من حولها يعيش في مستنقع الكفر والشرك، ووحل المعصية والرذيلة، يفعل ما يشاء، فهذه ليست مهمة أمة الإسلام، وإنما مهمتها أنها تأمر، وتنهى، وتُعلِّم الناس الخير.

وأسعد الناس بهذه الخيرية هم القائمون بهذه الشعيرة، الكاملون في أنفسهم، والمكملون لغيرهم.

ويزداد هذا العمل فضلاً وطلباً كلما كانت حاجة الأمة إليه أكثر؛ وذلك عندما تبتعد عن وحي السماء، حيث يكون سبباً للحفاظ على بيضة الإسلام ومعالمه.

فيجب على كل مسلم أن يُربي نفسه على أن يكون نفعه متعدياً لغيره، وألا يقتصر على نفسه، فخيره يكمن حين يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويسعى في إزالة الشرور والمنكرات، ونشر الخير والطاعات، ويجب على الأمة أن تُدرك مسؤوليتها في تبليغ الرسالة؛ إذ بها تتميَّز بالخيرية التي ربطها اللهُ بوظيفة البلاغ المبين، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

وبهذا نُدرك السر في تخصيص الإخراج بأنه (للناس) في قوله: {أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} أي: أنها تسعى لنفعهم، وهدايتهم، وإنقاذهم من العذاب والعقاب الذي ينتظرهم.

وقد أدرك هذا المعنى، الصحابي ربعي بن عامر، حين قال لرستم: "إنَّ اللهَ ابتعثنا لنُخرج العباد من عبادة العباد، إِلى عبادة رب العباد..."([4])، فهو ابتعاث لإخراج.

الإيمان الكامل بالله:

ومما تميَّزت به هذه الأمة هو الإيمان بالله، والإيمان بالله وإن كان أمراً مشتركاً بين جميع الأمم المحقة، إلا أنه مما يُميِّز هذه الأمة، حيث إنَّ إيمانها إيمانٌ كامل، فهي أكمل إيماناً من غيرها؛ لأنها آمنت بالله، وبأسمائه، وبصفاته، وبأفعاله، وبكل ما يجب الإيمان به من رسولٍ، وكتابٍ وبعثٍ وحسابٍ وثواب وعقاب، إلى غير ذلك، وليست كمن قال: "نؤمن ببعض ونكفر ببعض" فهي أفضل الأمم استكمالاً لمعاني الإيمان بالله -عز وجل-.

وقد يكون ذلك راجعاً إلى: إخلاصها في إيمانها، وكمالها في عبادتها، وخضوعها لربها.

أو راجعاً إلى: وسطيتها في إيمانها، وبعدها عن الغلو الذي وقع فيه اليهود والنصارى.

هكذا رتَّب الله تعالى هذه الخصال، في هذه الآية، ترتيباً جاء على سبيل الترقي، من الأدنى إلى الأعلى، فالأمر بالمعروف في غاية الأهمية، وأهم منه النهي عن المنكر، وأهم من الجميع الإيمان بالله؛ لأنه لا تصح عبادة بدونه.

وبعد ثبوت هذا الفضل، وأنَّ هذه الخيرية في هذه الأمة إنما حصلت بسبب إيمانها بالله، وأمرها بالمعروف، ونهيها عن المنكر، فكيف يتخلَّى المسلمون اليوم عن أعظم مزاياهم؟! ويتركون أعظم خصال الخير فيهم؟! وكيف يُلمز القائمون بذلك، ويعادَون، ويحاربون؟!

إنَّ مَن أراد أن يُوسم بسمة الخيرية، ويُوصف بصفة الأفضلية، التي جاءت في هذه الآية السابقة، فليتحلَّ بهذه الخصال.

يقول ابن كثير: "فمن اتَّصف من هذه الأمة بهذه الصفات، دخل معهم في هذا الثناء عليهم، والمدح لهم...، ومن لم يتصف بذلك، أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم الله بقوله: {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة (79)] ولهذا لما مدح الله تعالى هذه الأمة على هذه الصفات، شرع في ذم أهل الكتاب، وتأنيبهم"([5]).

والله المستعان.

 



([1]) تفسير الطبري، (7/ 102-7612).

([2]) أخرجه البخاري (4/ 60-3010).

([3]) أخرجه البخاري (6/ 37-4557).

([4]) تاريخ الأمم والرسل، للطبري (3/ 520).

([5]) تفسير ابن كثير (2/ 103).


  

عدد مرات القراءة 56
رابط المقال