منكرات الأسماء ومكروهاتها

صادق محمد مهيوب الهادي

منكرات الأسماء ومكروهاتها

17 ربيع الأول 1439هـ

 

الأسماء والألفاظ -كما قيل- قوالب للمعاني، ودالةٌ عليها، ولها تأثيرٌ في مسمياتها نفرةً وميلاً، وهي كالسِّمة تتميز بها مسمياتها، باعتبار وجودها اللساني والذهني، وقد قال الحسن بن محمد الخلال: قال لي أبو الحسين بن سمعون: ما اسمك؟ فقلت: حسن، فقال: فقد أعطاك الله الاسم، فسله أن يعطيك المعنى([1]).

ومما يدل على أنَّ الاسم الحسن يقتضي مسمّاه، ويُؤثر فيه، ما ذكره ابن القيم، حيث قال: وتأمل أسماء الستة المتبارزين يوم بدر كيف اقتضى القدر مطابقة أسمائهم لأحوالهم يومئذٍ، فكان الكفار شيبة وعتبة والوليد، ثلاثة أسماء من الضعف، فالوليد له بداية الضعف، وشيبة له نهاية الضعف...، وعتبة من العتب، فدلت أسماؤهم على عتب يحل بهم، وضعف ينالهم، وكان أقرانهم من المسلمين: علي، وعبيدة، والحارث -رضي الله عنهم-، ثلاثة أسماء تناسب أوصافهم، وهي العلو، والعبودية، والسعي الذي هو الحرث، فعلوا عليهم بعبوديتهم، وسعيهم في حرث الآخرة([2]).

وكان -صلى الله عليه وسلم- يكره الاسم القبيح من مكان، أو قبيلة، أو جبل، أو شخص، ومن تأمَّل في السنة وجد معاني الأسماء مرتبطة بمسمياتها، حتى كأن معانيها مأخوذة منها، وكأنَّ الأسماء مشتقة منها، ألا ترى إلى حديث: ((أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها، وعصية عصت الله ورسوله))؟!([3]) كيف طابقت الأسماء معانيها حق المطابقة!

ومما يدل على تأثير الأسماء في مسمياتها ما ورد عن ابن المسيب عن أبيه عن جده، قال: أتيتُ النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: ((ما اسمك؟)) قلت: حزين، قال: ((أنت سهل)) قلتُ: لا أغيِّر اسماً سماني به أبي، قال ابن المسيب: فما زالت تلك الحزونة فينا بعد([4]).

وقال ابن القيم: قال أبو الفتح ابن جني: ولقد مرَّ بي دهر وأنا أسمع الاسم لا أدري معناه، فآخذ معناه من لفظه، ثم أكشفه، فإذا هو ذلك بعينه، أو قريب منه، فذكرت ذلك لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، فقال: وأنا يقع لي ذلك كثيراً([5]).

والمقصود: أنَّ للاسم أهمية في حياة المسلم، فهو عنوان للمسمى، ودليل عليه، ووسيلة للتفاهم معه، وهو زينة للمسمى، ووعاء وشعار له، يُدعى به في الآخرة والأولى، وله اعتبارات ودلالات، فهو كالثوب إن قصر شان، وإن طال شان.

ولهذا اختار الله لنبيه -صلى الله عليه وسلم- اسمي محمد وأحمد، وهما اسمان مطابقان لمعناهما، فسُمِّي محمداً لكثرة ما فيه من الصفات المحمودة، ولِشرفها وفضلها على صفات غيره سُمي أحمداً، فارتبط الاسمُ بالمسمى ارتباط الروح بالجسد، وكما قال الشاعر:

وشقّ له من اسمه ليجله ***فذو العرش محمودٌ وهذا محمد([6]).

وقال آخر:

يا خاتمُ النُّبَآء إنَّك مُرسلٌ *** بالحقِّ كلُّ هُدَى السبيلِ هُدَاكَا

إنَّ الإله بَنَى عليك مَحبَّةً *** في خلْقهِ ومُحمَّداً سَمَّاكَا([7]).

ومع أهمية التسمية، وما لها من دلالات، واعتبارات في الشرع، إلا أنَّ هناك كثير من المنكرات فيها، فهاكم بعض المنكرات التي تقع في هذا الباب:

التعبيد لغير الله:

مما يُحرم من الأسماء: كل اسم معبدٌ لغير الله تعالى، من شمس، أو وثن، أو بشر، أو غير ذلك؛ مثل: عبد الكعبة، وعبد الرسول، وعبد النبي، وعبد علي، وعبد الحسين... إلخ.

قال ابن حزم -رحمه الله-: اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله؛ كعبد عمر، وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك، حاشا عبد المطلب؛ لأنه إخبار؛ كبني عبد الدار، وعبد شمس، ليس من باب إنشاء التسمية بذلك([8]).

التسمية بالأسماء الأعجمية الخاصة بالكفار:

ومما يُحرم التسمية بالأسماء الأعجمية الخاصة بالكفار، كأسماء اليهود، وأسماء النصارى، والشيوعيين والملحدين، فاليهود مثلاً يتميزون بأسماء، مثل: (ديفيد) و(باروخ) و(إيلي) و(عزرا) و(ناحوم) وما أشبه ذلك من الأسماء اليهودية، وكذلك النصارى لهم أسماء يتميزون بها، مثل: (جورج) و(ميشيل) و(بطرس) و(بولس) و(يوحنا) وغيرها من الأسماء النصرانية المعروفة، وللشيوعيين أسماء عرفوا بها، مثل: (لينين) أو (ماركس) أو (إنجلز) وغيرها، فهذه الأسماء فيها ثلاثة محظورات:

كون ذلك فيه تشبه بهم، فيما يختصون به([9]).

وكونها أسماء أجنبية لأناس من أئمة الكفر.

وكون ذلك فيه فأل سيئ، وشؤم على من تسمَّى بها.

فلا يجوز لمسلم أن يُسمِّي ولده بمثل هذه الأسماء.

وقد اعتبر بعض العلماء ذلك من مظاهر موالاة الكفار؛ أي مَن يسمون أبناءهم وبناتهم بأسماء أجنبية، ويتركون أسماء آبائهم وأمهاتهم وأجدادهم وجداتهم والأسماء المعروفة في مجتمعهم...، وأنَّ بسبب تغيير الأسماء قد وُجد جيلٌ يحمل أسماء غربية، مما يسبب الانفصال بين هذا الجيل والأجيال السابقة، ويقطع التعارف بين الأسر التي كانت تعرف بأسمائها الخاصة([10]).

التسمية بأسماء أهل الفجور والمعاصي المعروفين بالفسق:

ومما لا ينبغي في ذلك التسمية بالأسماء التي صارت أعلام على مشاهير الفُساق والفاسقات، كـ(مايكل جاكسون، نانسي، ديانا،...) إلخ.

قال الشيخ بكر أبو زيد في تسمية المولود: يُكره تعمُّد التسمِّي بأسماء الفُساق الماجنين من الممثلين والمطربين، وعمار خشبات المسارح باللهو الباطل، ومن ظواهر فراغ بعض النفوس من عزة الإيمان أنَّهم إذا رأوا مسرحية فيها نسوة خليعات سارعوا متهافتين إلى تسمية مواليدهم عليها، ومن رأى سجلات المواليد التي تزامن العرض شاهد مصداقية ذلك...، فإلى الله الشكوى([11]).

فإن كان هؤلاء الممثلون كفاراً، ويحملون أسماء الكفار، فيزداد الأمر سوءاً، قال الشيخ بكر: وهذه واحدة من إفرازات التموجات الفكرية التي ذهبت بعضها بالآباء كل مذهب، كل بقدر ما أثر به من ثقافة وافدة، وكان من أسوئها ما نفث به بعض المستغربين منا من عشق كلف، وظمأ شديد، لأسماء الكافرين، والتقاط كل اسم رخو متخاذل، وعزوف سادر عن زينة المواليد الأسماء الشرعية، وهكذا سرت هذه الأسماء الأجنبية عنا من كل وجه: عن لغتتنا، وديننا، وقيمنا، وأخلاقنا، وكرامتنا، مطوحة الغفلة بنا حينا، والتبعية المذلة أحياناً، فتولدت هذه الفتنة العمياء الصماء، في صفوف المسلمين، وانحسرت هذه الزينة عمن شاء الله من مواليدهم...، فإنَّ المولود يعرف دينه من اسمه، فكيف نميز أبناء المسلمين، وفينا من يسميهم بأسماء الكافرين([12]).

التسمية بالأسماء المكروهة التي فيها شيء من الدّلال والميُوعة:

ومما لا ينبغي في هذا الباب، التسمية بالأسماء التي فيها معانٍ تدل على الشهوة، والحب، والعشق، والتغنج، والدلال، كـ(عشق، دلع، مثيرة، دلال، تغاني، فاتن، دلوعة، مغاني، غزل، وجد، سهاد، ساهرة، سافرة، سيفانة، لقاء، ود، بديعة، مليحة، تودد، رهف، إغراء، فاتنة، ناعمة، فتنة، ناهد، أو ناهدة،...) إلخ.

أو التسمي بالأسماء الغربية الغريبة، التي لا يظهر معناها، مثل: (تالا، يارا، لارا، لانا، ميرا، مايا، هايدي، مي، لورا...) إلخ.

والتسمية بالأسماء التي تدل على معنى مكروه، أو محرم، مثل: (ترف، مرح،...) إلخ.

وإذا كان الكتاب يقرأ من عنوانه فإنَّ المولود يعرف دينه من اسمه، فكيف نميز أبناء المسلمين وفينا من يسميهم بأسماء الكافرين؟! فعجيب ممن يحجب عن مولوده شعاره فيلج هذه المضايق، ليختار اسماً منابذاً للشرع، شططاً عن لسان العرب، متغلغلاً في قتام العجمة المولدة، فكأنما ضاقت عليه لغة العرب، فلم يجد فيها ما يتسع لاسم مولوده([13]).

التسمية بالأسماء الشنيعة القبيحة:

ومما يُكره في هذا الباب، التسمية بالأسماء البشعة والقبيحة، كـ(العاصي، وكليب، وحنظلة، ومرة، وحزن...) إلخ.

وقد كره النبي -صلى الله عليه وسلم- الاسم القبيح من الأشخاص، والأماكن، وغيرها، وكره تسمية المدينة يثرب.

وسبب هذه الكراهة أن يثرب إما من التثريب الذي هو التوبيخ والملامة، أو من الثرب، وهو الفساد، وكلاهما مستقبح([14]).

وأما تسميتها في القرآن يثرب فإنَّما هو حكاية عن قول المنافقين، والذين في قلوبهم مرض([15]).

قال الطبري -رحمه الله-: لا ينبغي التسمية باسم قبيح المعنى، ولا باسم يقتضي التزكية له، ولا باسم معناه السب، ولو كانت الأسماء إنَّما هي أعلام للأشخاص، ولا يقصد بها حقيقة الصفة، لكن وجه الكراهة أنْ يسمع سامع بالاسم، فيظن أنَّه صفة للمسمى؛ فلذلك كان -صلى الله عليه وسلم- يحول الاسم إلى ما إذا دعي به صاحبه كان صدقاً([16]).

وأما ما يعتقده البعض: من أنَّ الاسم القبيح يحمي صاحبه، فلا أصل لذلك؛ ولهذا تجد بعض الناس يسمي أولاده بأسماء فيها قبح وغرابة؛ لاعتقادهم أنَّ التسمية تحفظ صاحبها من العين والحسد، أو أنَّها تطيل العمر، خصوصاً إذا كان فيهم وفيات متكررة للمواليد، أو تشوهات خلقية؛ ولهذا قالت العرب: إنَّ أسماء أولادنا لأعدائنا، بينما أسماء عبيدنا وجوارينا لنا، فسموا أولادهم بالأسماء التي تدل على الرعب والخوف، أو تتسم بالقوة، وتبعث على الرهبة، كـ(غضنفر، جُنادل، ليث، صخر، شأس، ذئب،...) بينما سمَّوا عبيدهم وجواريهم بأرقّ الأسماء وأنعمها، كـ(فيروزة، ياقوت، ميسون، ريحانة، يُسر، يُمن، عنبر، كافور،...).

وهذه الأسماء بالإضافة إلى ما فيها من القبح أيضاً تكون سبب في الاستهزاء والسخرية بأصحابها.

• التسمية بالأسماء التي فيها نوع من التزكية:

ومن الممنوع في هذا الباب، التسمية بأسماء، مثل: (برّة، وتقية، مخلص، مبارك، تقوى، وإيمان، إسلام...) إلخ.

لما فيها من المبالغة في التزكية؛ ولما فيها من ابتذال لهذه المعاني الشرعية الجليلة، التقوى والإيمان، والإسلام، فتستخدم استخدام غير لائق بقصد، أو بدون قصد، كأن يُسمى الابن إسلام، فيقال: أين إسلام؟ لا يوجد إسلام، خرج إسلام، أو تدعو عليه فتقول: (يخرب بيتك يا إسلام! أو الله يأخذك يا إسلام!) ورحم الله الشيخ كشك كان يقول في أحد أشرطته: رجل يسمي ابنته (عين أبوها) فقالوا: (أين عين أبوها)؟ قالوا: (عين أبوها) خرجت، فخرجت حقيقة.

ومن ذك الأسماء المضافة إلى لفظ (الدين) أو (الإسلام) مثل: نور الدين، أو عماد الدين، أو نور الإسلام، ونحو ذلك، فقد كرهها أهل العلم للذكور والإناث؛ لما فيها من تزكية صاحبها تزكية عظيمة، قال الشيخ بكر أبو زيد: وذلك لعظيم منزلة هذين اللفظين (الدين) و(الإسلام) فالإضافة إليهما على وجه التسمية فيها دعوى فجة، تطل على الكذب؛ ولهذا نص بعض العلماء على التحريم، والأكثر على الكراهة؛ لأن منها ما يوهم معاني غير صحيحة، مما لا يجوز إطلاقه، وكانت في أول حدوثها ألقاباً زائدة عن الاسم، ثم استعملت أسماء([17]).

ومن ذلك التسمية بقاضي القضاة، ويلي هذا الاسم في الكراهية والقبح والكذب: سيد الناس، وسيد الكل، وليس ذلك إلا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- خاصة...، فلا يجوز لأحد قط أن يقول عن غيره: إنَّه سيد الناس، وسيد الكل، كما لا يجوز أن يقول: إنه سيد ولد آدم؛ ولما كان الملك الحق لله وحده، ولا ملك على الحقيقة سواه، فكان أخنع اسم وأبغضه عند الله تعالى اسم (شاهان شاه) أي: ملك الملوك، وسلطان السلاطين([18]).

• إطلاق الأسماء الأجنبية على المنتجات والمحلات ونحوها:

ومما لا ينبغي في هذا الباب استخدام الأسماء الأجنبية على واجهات المحلات، والشوارع، والطرقات، وصالات المناسبات، وعلى المنتجات الإسلامية، وكذا في ميادين المعرفة، والعلوم المادية.

لأن في ذلك تشبه بالكفار، وصبغ الحياة العامة بالصبغة الغربية، وذوبان في عادات الكفار ومصطلحاتهم، فهل عَقِمَت اللغة العربية عند هؤلاء فلم يجدوا فيها لفظاً عربياً مناسباً؟! وهل لنا أن نعتز بلغتنا وثقافتنا العربية الإسلامية، ونترك التقليد الأعمى في استخدام الأسماء الأجنبية والتفاخر في إطلاقها، مع وجود بدائل في اللغة العربية ذات دلالات ومعانٍ جميلة ومناسبة؟!

تسمية الأمور المحرمة بأسماء محببة:

ومما يُحرم في هذه الباب ما يزينه الشيطان للإنسان من تسمّية الأمور المحرمة، التي هي معصية لله، بأسماء حسنة، محببة للنفس، خداعاً وتزويراً للحقيقة، كما سمّى الشجرة المحرمة بشجرة الخلد، كي يزين لآدم الأكل منها.

يقول ابن القيم: ومنه ورث أتباعه تسمية الأمور المحرمة بالأسماء التي تحب النفوس مسمياتها، فسموا الخمر: أم الأفراح، وسموا أخاها بلقمة الراحة، وسموا الربا بالمعاملة، وسموا المكوس بالحقوق السلطانية([19]).

واليوم يسمون الربا بالفائدة، والرقص والغناء والتمثيل فناً، والرشوة بغشيش، ومداهنة الكفار والركون إليهم صداقة، والفجور والخمور سياحة، والميسر اليانصيب.

وقد بيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنهم سوف يشربون الخمر، ويسمونها بغير اسمها([20])؛ حتى لا يظهر للناس فحش حرمتها، فلا يقولون: هي خمر، بل يقولون: هي بيرة، أو كونياك، أو مشروبات روحية، أو غير ذلك.

ولهذا نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن تسمية العنب كرماً([21])، فنفى عنها اسم المدح، ونهى عن تسميتها بذلك ليلًا تتشوق إليها النفوس التي عهدتها قبل، وقصر هذا الاسم الحسن على المسلم، وقلب المؤمن...، فكان المؤمن أولى بهذه الصفة([22]).

آداب هامة:

إذن نتعلم من هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في باب التسمية، قيمة مهمة في حياتنا، وهي الحرص على اختيار أجمل وأحسن الأسماء لأبنائنا، وهذا توجيه للآباء والأمهات على اختيار الاسم الحسن في اللفظ والمعنى، في قالب النظر الشرعي واللسان العربي، فيكون: حسناً، عذباً على اللسان، مقبولاً للأسماع، يحمل معنى شريفاً كريماً، ووصفاً صادقاً، خالياً مما دلت عليه الشريعة على تحريمه أو كراهته، مثل: شوائب التشبه والمعاني الرِّخوة([23]).

قال ابن القيم: والله سبحانه قد جعل في غرائز الناس الإعجاب بسماع الاسم الحسن، ومحبته، وميل نفوسهم إليه، وكذلك جعل فيها الارتياح، والاستبشار والسرور باسم السلام والفلاح والنجاح والتهنئة والبشرى والفوز والظفر والغنم والربح والطيب، ونيل الأمنية والفرح والغوث والعز والغنى وأمثالها، فإذا قرعت هذه الأسماء الأسماع استبشرت بها النفس، وانشرح لها الصدر، وقوى بها القلب، وإذا سمعت أضدادها أوجب لها ضد هذه الحال، فأحزنها ذلك، وأثار لها خوفاً وطيرة، وانكماشاً وانقباضاً، عما قصدت له، وعزمت عليه، فأورث لها ذلك ضرراً في الدنيا، ونقصا في الإيمان، ومقارفة للشرك([24]).

وقد بيَّن العلماء أنَّ للأسماء المشروعة آداباً وأحكاماً، وهي -بالإضافة إلى  ما سبق- كالآتي:

1- مما ينبغي في هذا الباب اختيار أفضل الأسماء وأكرمها، وأحبها إلى الله، وهي: ما كان معبداً لله، كعبد الله، وعبد الرحمن، ونحو ذلك من الأسماء التي تكون مُصدّرة بالعبودية لله -عز وجل-، وميزة هذه الأسماء أنَّها أصدق تعبير على حقيقة عبودية الإنسان لربه، وفقره، وذله له؛ وفي الصحابة -رضي الله عنهم- نحو ثلاثمائة رجل كل منهم اسمه عبد الله، وبه سُمي أول مولود للمهاجرين بعد الهجرة إلى المدينة عبد الله بن الزبير.

2- اختيار الأسماء التي تشحذ الهِمم على التأسي بالقدوة؛ من الأسماء الصالحة، كأسماء الأنبياء، لأنهم سادات بني آدم وأخلاقهم أشرف الأخلاق، وأعمالهم أزكى الأعمال، فالتسمية بأسمائهم تذكر بهم وبأوصافهم وأحوالهم، وكأسماء الصحابة([25])، والعلماء، والفضلاء؛ لأنها تشحذ هِمّة المسمّى إلى أن يقتدي ويأتسي بهم، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: ((وُلد لي الليلة ابناً سمّيته على اسم أبي إبراهيم))([26])، فسمّى إبراهيم على اسم أبيه إبراهيم.

3 - تغيير الاسم القبيح بالاسم الحسن على وجه التفاؤل والتيمُّن؛ وهكذا كان هديه -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه كان يعجبه الفأل الحسن، وقد غيَّر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- العديد من الأسماء، لمصلحة اقتضت ذلك، ومنها:

(عاصية) إلى (جميلة)([27])، وبرة إلى زينب([28])، وأصرم إلى زرعة([29])، وحزن إلى سهل([30])، وندب جماعة إلى حلب شاة، فقام رجل يحلبها فقال: ((ما اسمك؟)) قال: مرة، فقال: ((اجلس)) فقام آخر، فقال: ((ما اسمك؟)) قال: حرب، فقال: ((اجلس)) فقام آخر، فقال: ((ما اسمك؟)) فقال: يعيش، فقال: ((احلبها))([31]).

وقال أبو داود: وغيّر رسول الله اسم العاص، وعزيز، وعتلة، وشيطان، والحكم، وغراب، وشهاب، وحباب، فسماه هاشماً، وسمى حرباً سلماً، وسمى المضطجع المنبعث، وأرضاً يقال لها: عفرة خضرة، وشعب الضلالة، سماه شعب الهدى، وبنو الزينة سماهم بني الرشدة، وسمي بني مغوية بني رشدة، تركت أسانيدها للاختصار ([32]).

- ومما يُشرع في هذا الباب تغيير الأسماء لدفع الطيرة، والمقصود بدفع الطيرة هنا هو دفع تطير الناس بها، ولمنع توهم كون ذلك الشيء سبباً لحصول الطيرة، كما ورد أنهَّ -صلى الله عليه وسلم- مرَّ بأرض تُسمى غدرة؛ فسماها خضرة([33]).

قال الطحاوي -رحمه الله- في كتابه مشكل الآثار في وجه كراهية اسمها: أن ينزلها نازل -واسمها عنده غدرة- فيتطير بذلك، فحول -صلى الله عليه وسلم- اسمها إلى خضرة، مما لا طيرة فيه([34]).

4- تجنب تسمية الإناث بأسماء الملائكة؛ لأن في ذلك تشبها بالمشركين في ظنهم أن الملائكة بنات الله، يقول الشيخ بكر أبو زيد: أما تسمية النساء بأسماء الملائكة فظاهر الحرمة؛ لأن فيها مضاهاة للمشركين في جعلهم الملائكة بنات الله، تعالى الله عن قولهم، وقريب من هذا -يعني في الحرمة- تسمية البنت: ملاك، ملكة([35]).

5 - تغيير الاسم أو الكنية إذا كان فيها امتهان لأسماء الله، وعدم احترامها...، فكثير من الأسماء لا يجوز أن تُقر؛ لأن فيها امتهاناً لأسماء الله، وقد يكون فيها كذب، مثل: خليل الرحمن، وخليل الله؛ لأن الخلة خاصة بإبراهيم ومحمد -صلى الله عليهما وسلم-، فلا يجوز أن يُسمَّى أحد بذلك، كذلك إذا سمي مثلاً: الرحمن، أو ما أشبه ذلك من الأسماء الخاصة بالله، فلا يجوز، بل يجب أن يغير ما وجد من هذه الأسماء، فهذه من الأغراض التي كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يغير الأسماء من أجلها أعظمها هو احترام أسماء الله -جل وعلا-؛ لأن هذا من باب التوحيد، فالواجب أن يغير هذا الشيء احتراماً لأسماء الله؛ لأن ذلك من تحقيق التوحيد([36]).

6- تجنب الأسماء المضافة إلى لفظ الجلالة، مما تحمل معنى منكراً، مثل اسم: (غلام الله) أي: ابن الله، والعياذ بالله.

7- تجنب التسمية بأسماء الأصنام المعبودة من دون الله، ومنها: اللات، العزى، إساف، نائلة، هُبَل، كمن يسمي ابنته نائلة، وهي اسم صنم، فإن قيل: أن اسم زوجة عثمان -رضي الله عنه-، نائلة، فيرد أن ذلك قبل ورود التحريم.

8- تكره التسمية بالأسماء المركبة، مثل: محمد أحمد، محمد سعيد، فأحمد مثلاً فهو الاسم، محمد للتبرك... وهكذا، وهي مدعاة إلى الاشتباه والالتباس؛ ولذا لم تكن معروفة في هدي السلف، وهي من تسميات القرون المتأخرة، ويلحق بها المضافة إلى لفظ الجلالة (الله) مثل: حسب الله، رحمة الله، جبره الله، حاشا: عبد الله، فهو من أحب الأسماء إلى الله، أو المضافة إلى لفظ الرسول، مثل: حسب الرسول، وغلام الرسول.

9- وكره جماعة من العلماء التسمي بأسماء الملائكة -عليهم السلام-! مثل: جبرائيل، ميكائيل، إسرافيل.

10- وكره جماعة من العلماء التسمية بأسماء سور القرآن الكريم، مثل: طه، يس، حم...،  وأما ما يذكره العوام أن يس وطه من أسماء النبي -صلى الله عليه وسلم-، فغير صحيح([37]).

فهذه بعض آداب التسمية ومحظوراتها، لمن أراد أن يسير على هدي الإسلام في تسمية المواليد وغيرها من الأمور، وقد جعل الإسلام من حق الطفل المعنوية أن يُختار له الاسم الحسن، الذي يساعده على الابتهاج حين يُدعى به، وتجنبه الاعتزال والخجل، فيما لو أسماه اسماً قبيحاً يجعله يتحاشى ويخجل من ذكر اسمه أمام الغير.

ومن حسنه أن يكون حسناً في المعنى، ملائماً لحال المسمى، جارياً في أسماء أهل طبقته، وملته، وأهل مرتبته.

وقلَّ أن يُوجد لقب مثلاً إلا وهو يتناسب أو يقارب مع الملقب به، ومن المشهور في كلام الناس: الألقاب تنزل من السماء، فلا تكاد تجد الاسم الغليظ الشنيع إلا على مسمى يناسبه، وعكسه بعكسه، ومن المنتشر قولهم: لكل مسمى من اسمه نصيب، والمعنى يؤخذ من المبنى، ويدل عليه، ولهذا قال ابن القيم: فإن صاحب الاسم الحسن قد يستحي من اسمه، وقد يحمله اسمه على فعل ما يناسبه، وترك ما يضاده؛ ولهذا ترى أكثر السفل أسماؤهم تناسبهم، وأكثر العلية أسماؤهم تناسبهم([38]).

وإن حسن الاختيار يدل على أكثر من معنى، فهو يدل على مدى ارتباط الأب المسلم بهدي النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومدى سلامة تفكيره من أي مؤثر يصرفه عن طريق الرشد والاستقامة والإحسان إلى المولود بالاسم الحسن، وبالجملة، فهو الرمز الذي يعبر عن هوية من اختار الاسم والمعيار الدقيق لثقافته، ومن الدارج في كلام الناس: من اسمك أعرف أباك.

ويعطي رؤية واضحة لمدى تأثير التموجات الفكرية والعقدية على الأمة، وانحسارها عن أخلاقياتها وآدابها، ثم هو بعد ذلك من علامة تقليد الأمة المغلوبة بالمتغلب عليها، كالعبد المملوك مع سيده، ثم هو أيضاً يدل على أن الأمة ملقى حبلها على غاربها، وأن ليس فيها رجال يطفئون جذوة ما تعاظم في صدورهم من شأن ذلك الغالب الفاجر، وبناء على ما تقدم صار حسن الاختيار لاسم المولود من الواجبات الشرعية ([39]). والله أعلم.



([1]) صفة الصفوة (1/549).

([2]) زاد المعاد في هدي خير العباد (2/310).

([3]) أخرجه البخاري في المناقب باب ذكر أسلم وغفار...(4/181-3513) ومسلم في المساجد باب استحباب القنوت (1/470-679).

([4]) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (20/348-819).

([5]) تحفة المودود بأحكام المولود (ص: 146).

([6]) البيت لحسان بن ثابت، انظر: ديوانه، تحقيق: د: وليد عرفات (1/306).

([7]) البيتان لعباسِ بن مرداس، انظر: تاج العروس (1/445) واللسان (1/162) وسيرة ابن هشام (2/461) والروض الأنف (7/307).

([8]) مراتب الإجماع (ص: 154).

([9]) أحكام أهل الذمة لابن القيم (3/251).

([10]) انظر: الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد (ص: 313) والولاء والبراء في الإسلام - البركاتي (ص: 15) بتصرف.

([11]) تسمية المودود (ص: 39-44).

([12]) تسمية المودود (ص: 39-44) بتصرف.

([13]) انظر: أرشيف ملتقى أهل الحديث (3) (70/250) بتصرف.

([14]) فتح الباري لابن حجر (4/87).

([15]) شرح النووي على مسلم (9/155).

([16]) نقله ابن حجر في فتح الباري (10/577).

([17]) تسمية المولود (ص: 22).

([18]) زاد المعاد في هدي خير العباد (2/311) بتصرف.

([19]) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (1/113).

([20]) أخرجه أبو داود في الأشربة، باب في الداذي (3/329-3688) وغيره. وصححه الألباني في صحيح الجامع (2/959-5453).

([21]) أخرجه البخاري في الأدب باب لا تسبوا الدهر (8/41-6182) ومسلم في الألفاظ من الأدب كراهة تسمية العنب كرماً (4/1763-2247).

([22]) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (1/ 339).

([23]) أمير المؤمنين الحسن بن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- (ص: 18) بتصرف.

([24]) مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة (2/244).

([25]) ولكن لاحظ أن أسماء الصحابة ليسوا هم الذين اختاروها لأنفسهم، إنما اختارها لهم آباؤهم، وكانوا جاهليين، وكانوا يختارون الأسماء كيفما اتفق، سواء كان اسماً قبيحاً أو غيره، والقبيح غيره النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد يرضى صاحبه عن التغيير، وقد لا يرضى، فيسكت النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد يسمون بأسماء بحسب الطبيعة التي أمامهم، وبحسب المعيشة التي يعيشونها، وليس معنى هذا أنَّ أسماءهم كلها جيدة، وقد كان لصحابة رسول الله نظر لطيف في ذلك، فهذا الصحابي الزبير بن العوام -رضي الله عنه- يسمي أولاده -وهم تسعة- بأسماء بعض شهداء بدر -رضي الله عنهم-، وهم: عبد الله، المنذر، عروة، حمزة، جعفر، مصعب، عبيدة وخالد.

([26]) أخرجه مسلم في كتاب الفضائل، باب رحمته -صلى الله عليه وسلم- الصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك (4/1807-2315).

([27]) أخرجه مسلم في الآداب، باب استحباب تغيير الاسم القبيح إلى حسن، وتغيير اسم برة إلى زينب وجويرية ونحوهما (3/1686-2139).

([28]) البخاري في الأدب، باب تحويل الاسم... (8/43-6192) ومسلم في الآداب، باب استحباب تغيير الاسم... (3/1687-2141).

([29]) أخرجه أبو داود في الأدب، باب في تغيير الاسم القبيح (4/288-4954) وصححه الألباني في تخريج الكلم الطيب (ص: 164-219).

([30]) أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب اسم الحزن (8/43-6190).

([31]) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (22/277-710).

([32]) سنن أبي داود (4/289).

([33]) أخرجه ابن حبان (13/136-5821) والطحاوي في شرح مشكل الآثار (5/104-1849) وصححه الألباني في الصحيحة (208).

([34]) مشكل الآثار (104/5).

([35]) تسمية المولود (ص: 24).

([36]) شرح فتح المجيد للغنيمان (112/ 7) بتصرف.

([37]) أرشيف ملتقى أهل الحديث (3) (70/ 258) بتصرف.

([38]) تحفة المودود بأحكام المولود (ص: 147).

([39]) انظر: تسمية المولود، بكر أبو زيد. بتصرف.


  

عدد مرات القراءة 45
رابط المقال