صادق محمد مهيوب الهادي

فبقلبه

25 صفر 1439هـ

المسلمُ مطالبٌ بإنكار المنكر بيده، فإنْ عجز فبلسانه، فإنْ عجز فبقلبه، فالقلبُ له شأنٌ عظيمٌ، وقدرٌ رفيعٌ، وأعمالُه أفضلُ الأعمال، وإذا صحت القلوبُ صحت الأجساد، واستقامت الأفعال، وإنَّ مِن شأن القلب الحي أنْ يشمئز من المنكرات، وينفر منها، ويتألَّم لوجودها، ويتأثَّر برؤيتها، وسماعها، والعِلْم بها، وصاحب القلب الحي إذا رأى منكراً ولم يقدر على إنكاره وتغييره تحسَّر، وتألَّم، فهو لا يرضى بالمنكرات، ولا بانتشارها.

أما القلب الميت، أو الغافل، فإنَّه لا يعرفُ معروفاً، ولا يُنكرُ منكراً، فلا يحس بالمنكرات أبداً، وكما قيل: ما لجرحٍ بميتٍ إيلامُ، بل يألف المنكر، ويحبه، ويرضى به، ويقره.

ولهذا يقول ابن القيم: وحياؤه -أي القلب- من القبائح هو بحسب حياته في نفسه، فالقلب الصحيح الحي إذا عُرضت عليه القبائحُ نَفَرَ منها بطبعه، وأبغضها، ولم يلتفت إليها، بخلاف القلب الميِّت، فإنَّه لا يُفرق بين الحسن والقبيح، كما قال عبد الله ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه-: "هلك مَن لم يكن له قلبٌ يعرف به المعروف، ويُنكرُ به المنكر" وكذلك القلب المريض بالشهوة فإنَّه لضعفه يميل إلى ما يعرض له من ذلك، بحسب قوة المرض وضعفه، وكذلك إذا قوي نوره وإشراقه انكشفت له صور المعلومات وحقائقها على ما هي عليه، فاستبان حُسْنَ الحسن بنوره، وآثره بحياته، وكذلك قبح القبيح([1]).

وبالجملة: فالقلبُ الحي يكون صاحبه حياً، فيه حياء يمنعه عن القبائح، فإنَّ حياة القلب هي المانعة من القبائح التي تفسد القلب، فإنَّ الحي يدفع ما يؤذيه بخلاف الميت الذي لا حياة فيه، فإنَّه يُسمَّى وقحاً، والوقاحة: الصلابة، وهو اليُبس المخالف لرطوبة الحياة، فإذا كان وقحاً، يابساً، صليب الوجه، لم يكن في قلبه حياة تُوجب حياءه، وامتناعه من القبح، كالأرض اليابسة لا يُؤثِّر فيها وطء الأقدام، بخلاف الأرض الخضرة؛ ولهذا كان الحي يظهر عليه التأثُّر بالقبح، وله إرادة تمنعه عن فعل القبح، بخلاف الوقح الذي ليس بحيٍ، فلا حياء معه، ولا إيمان يزجره عن ذلك([2]).

حتى أصبح ذو القلب الحي -في زمننا- ينكر من يراه، فلا الوجوه بالوجوه التي تُعرف، ولا الأعمال بالأعمال التي تُعهد، ولا العقول بالعقول المستنيرة، ولا الفهوم بالفهوم المنيرة، فهو مخالط للناس بجسمه، مزايل لهم بعَمَلِه، يعيش في غرْبَتِه بين جلْدَتِه، حتى يأذن الله بحلولِ الأجل، فيلحقَ -إنْ عفا الله وغَفَرَ- بمنْ يفكُّ غربته، ويؤنسُ وحشته، خالِ القلب مع المنكرات([3]).

ولنقفْ مع هذه اللفظة النَّبويِّة، والإشراقة المـُحمديَّة، والقبْسة المصطفويَّة ((فبقلبه)) وقفاتٍ، نستلهمُ منها بعض الفوائد والدلالات، والمعاني والإشارات، ومن ذلك:

1- أنَّ الإنكارَ بالقلبِ فرضُ عينٍ، على كلِ مسلمٍ، في كل حالٍ، لا يسقطُ مطلقاً، ولا رخصة لمسلمٍ في تركه أبداً؛ لماذا؟

- لأنَّه لا ضرر في فعله([4]).

- ولأنَّ تغيير المنكر بالقلب في مقدور كل مسلم؛ إذ لا سلطان لأحدٍ على قلبه، إلا لله -عز وجل-، فبإمكانه أن يُبغض المنكر بقلبه.

- ولأنَّ قلباً لا يعرف المعروف، ولا يُنكر المنكر فهو قلبٌ ميتٌ، نسأل الله العافية.

- ولأنَّ ذلك أضعف ما يمكن فعله، وأقل ما يمكن تقديمه بالنسبة للمؤمن في مواجهة المنكر، كما جاء في الحديث: ((أضعف الإيمان))([5]).

- ولأنَّ ذلك آخر حدود الإيمان، وليس وراءه من الإيمان حبة خردل، كما في الحديث: ((وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل))([6]). وعبَّر بالخردلة لأنَّها أصغر الحبوب، ولا يدرك بالحس ثقلها، ولا ترجح ميزاناً([7]).

ويضرب العرب للشيء الضئيل جداً بحبة الخردل، والفتيل، والنقير، والقطمير، والخردل: أصغر جميع البزور، نباته يُضرب بحبه المثل في الصِّغر، قال تعالى: {وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا} [الأنبياء (47)] تقول: ما عندي خَرْدلة من كذا: أي: ما عندي شيء([8]). وكما قال الشاعر:

قُبَيِّلَة لا يَغْدِرَون بذمِّة *** ولا يظلمون الناس حبة خردل([9]).

2- صفة الإنكار بالقلب:

الإنكار بالقلب ليس معناه: أنْ أعلم أنَّه حرام، وأنْ أعلم أنَّه منكر، فهذه معرفة القلب، وهناك فرق بين مجرد المعرفة وبين الإنكار، الإنكار معرفة مع شعور بالواجب، وإحساس بالألم، كما قال بعض السلف: وددتُ أنَّ جسمي قُرِّض بالمقاريض، وأنَّ هذا الخلق كلهم أطاعوا الله -عز وجل-([10]) أو: وأنَّ أحداً لم يعصِ الله -عز وجل-، فهذا يتمنَّى أنْ يُقرض جسمه، ولا يرى معصية. قال ابن رجب معلقاً على هذا القول: فعرض قوله على بعض العارفين فقال: إنْ كان أراد بذلك النصيحة للخلق وإلا فلا أدري، ثم غشي عليه، ومعنى هذا: أنَّ صاحب هذا القول قد يكون لحظ نصح الخلق والشفقة عليهم من عذاب الله، وأحب أن يفديهم من عذاب الله بأذى نفسه، وقد يكون لحظ جلال الله، وعظمته وما يستحقه من الإجلال والإكرام والطاعة والمحبة، فودَّ أنَّ الخلق قاموا بذلك، وإن حصل له في نفسه غاية الضرر، وهذا هو مشهد خواص المحبين العارفين بملاحظته فغشي على هذا الرجل العارف([11]).

فيجب أن تكون لديك غيرة على محارم الله، وغيرة على حدود الله، يتقطَّع قلبُك ويتألَّم أن ترى المنكر، ولكن لا تستطيع أن تقول: إنَّه منكر؛ ولذلك تغضب، ويتمعر وجهك، وتدعو الله أن يزيل هذا المنكر، وتبحث عن وسيلة لكي تستطيع أن تغير باللسان وهكذا، هذا الإنكار بقلبك، ليس كإنكار الغافل الذي يمر على المنكر، ويقول: أعلم أنَّه حرام، ثم يذهب، فهذا حال أدنى المراتب؛ فما بالك بما فوقها من المراتب؟!([12]).

ولهذا نقول: إنَّ الإنكار بالقلب يشمل أموراً، منها:

أ - كُره كل معصيةٍ -وجوباً- حضرها، أو غاب عنها، أو سمع بها، ولو في أقصى الأرض.

ب - بُغض أهل المنكرات، وقد يُقال: هل نكره المنكر أو صاحبه؟! ويُشكل على البعض التوفيق بين كره العاصي، والتلطف معه. والجواب: أنَّ ها هنا أموراً يجب التنبيه عليها، وهي:

- أنَّ كره أصحاب المنكرات أمرٌ شرعيٌ، دلَّ عليه أدلةٌ كثيرةٌ، منها: حديث البراء بن عازب -رضي الله عنه- مرفوعاً: ((إنَّ أوثق عرى الإسلام أن تحب في الله، وتُبغض في الله))([13]). وقد ورد عن غير البراء برواياتٍ مختلفة.

فهناك -إذن- فرقٌ بين الحب والإحسان: فمن الناس من يُحَبُّ من وجهٍ، ويُبغَضُ من وجهٍ، وهو المسلم الذي خلط عملاً صالحاً، وآخر سيئاً، فيُحَب ويُوالى على قدر ما معه من الخير، ويُبغَض ويُعادَى على قدر ما معه من الشر، ومن لم يتسع قلبه لهذا كان ما يفسد أكثر مما يصلح.

- أنَّ من الأدب في هذه المسألة أنَّ العاصي لا يُكره لذاته، وإنَّما لله؛ لارتكابه المنكر.

قال ابن العثيمين: كثيرٌ من الإخوة إذا رأى إنساناً على معصية فإنه -أي الرائي- يكره المعصية، وهذا حق، لكن يكره العاصي ثم يُعامله معاملة المعنف الكاره له الذي يريد أن ينتقم منه، وهذا غلط كبير، والواجب أن تعالج العاصي معالجة الطبيب الرفيق الذي يداوي الجرح ليبرأ، لا يداويه ليزداد، فتعامل هذا الرجل بلطف، وإرادة خيرٍ له، ورحمة به([14]).

وشيخ الإسلام ابن تيمية يقول -مع أنَّه معروف بالشدة على أهل البدع ومحاربتهم-: ويعلم العليم البصير بهم أنَّهم من وجهٍ مستحقون ما قاله الشافعي -رضي الله عنه-، حيث قال: حُكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويُطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء مَن أعرض عن الكتاب والسنة، وأقبل على الكلام، ومن وجهٍ آخر: إذا نظرتَ إليهم بعين القدر، والحيرةُ مستوليةٌ عليهم، والشيطانُ مستحوذٌ عليهم، رحمتهم، وترفقتَ بهم([15]). وهكذا العلماء المربون ينظرون إلى الخلق نظرة إصلاح لا نظرة انتقام وكراهية.

- أنَّه يجب مع التودد والتلطف مع مرتكب المنكر أن يكون القلب كارهاً له، وكارهاً ما عليه من المعاصي، فالتودد ليس حباً له، ولكنه تلطف من أجل أن تحمله على التقوى إن كان عاصياً، أو على الإسلام إن كان كافراً، والكره لعمله وكفره.

- أنَّ يتأمَّل المـُنْكِر حاله مع الله كيف كان؟ وكيف منَّ الله عليه بالهداية، والابتعاد عن المنكرات، فيشكر الله، ويُرجِع الفضل له، ولو أراد الله لكان هو مثلهم، فيتسع صدره لهؤلاء، قال ابن القيم في مشاهد الناس في المعاصي: أنْ يُقيم معاذير الخلائق، وتتسع رحمته لهم، مع إقامة أمره الله فيهم، فيقيم أمر فيهم رحمةً لهم، لا قسوة وفظاظة عليهم([16]).

ج - العزم على أنَّه لو قدر على الإنكار بقول أو فعل، أَنْكَر([17]).

د - الحُزن على عدم قدرته على تغيير هذا المنكر.

ه - مفارقة وهجر مكان المعصية، مخافة أن ينزل العقاب فيعم الجميع.

و - إظهار دلائل الإنكار كتعبيس وجهٍ ونحوه، قال ابن النحاس: من لم يقدر على الإنكار باللسان وقدر على إظهار دلائل الإنكار، مثل تعبيس الوجه، والنظر شزراً، والتجهم، وإظهار الكراهية لفعله، والازدراء به، وهجره في الله تعالى لزمه ذلك، ولا يكفيه العدول إلى الإنكار بالقلب مع إمكان دلائل الإنكار الظاهرة([18]).

3- أهميَّة الإنكار بالقلب:

سبق القول أنَّ الإنكار بالقلب فرضٌ واجبٌ، فهو ذو أهميَّة عظيمة، ولو لم يزل به المنكر، فلا يجوز تركه بأي حال من الأحوال، ومن فوائده:

- أنَّه يحفظ الإيمان في القلب؛ ويحافظ عليه من الموت، قيل لابن مسعود -رضي الله عنه-: من ميت الأحياء؟ فقال: الذي لا يعرف معروفاً، ولا يُنكر منكراً([19]). فالذي لا يأمر بالمعروف، ولا يُنكر المنكر بأدنى درجاته فهو ميت القلب، نسأل الله السلامة.

وهذا فُرقان ما بين أهل الإيمان وأهل النفاق، قد يسكت اثنان عن أمر فلا ينكرانه بلسان، ولا يغيرانه بيد، لكن أحدهم في قلبه حزن وألم وضيق وتبرم لهذا المنكر، وذاك فرح به سعيد، يتمنى لو ارتكب المنكر بنفسه، فهذا فرق عظيم غير ظاهر للناس، ولكنه معلوم عند الله -عز وجل-([20]).

- أنَّ القلب إذا تغيَّر فأنكر انقبض عن صاحب المنكر، فكان هناك نوع مجافاة أو اعتزال، فيرى صاحب المنكر أنَّ القلوب منه نافرة، وأنَّ النفوس عنه منقبضة، وأنَّ الوجوه في وجهه مكشرة، فيجعله ذلك محاصراً حصاراً نفسياً، يدفعه إلى أن يترك المنكر ليكون مع الناس.

- أنَّ إنكار المنكر بالقلب، وعدم الرضا به، يجعلك في نفسك لا تأتي به، وقد استنكرته من غيرك، وقد سأل رجل عيسى -عليه السلام-: من أين لك هذا الأدب الرفيع وأنت لا أب لك يؤدبك؟ قال: أرى الحسن فأستحسنه، وأفعل مثله، وأرى القبيح فأستقبحه، وأتركه، ولا آتيه.

- حينما تستنكر الفعل بقلبك يظل إنكار المنكر قائماً، لكنه دفين كامن، ولعلك تنقل هذا الإحساس إلى من يقدر أن يغيره بلسانه، أو بيده، أو تظل أنت على علم حامل لهذا الأمر، ولعلك أن تتمكن في وقت من الأوقات فتغير هذا المنكر بالدرجات الأخرى: باللسان، أو باليد، إذاً: إنكار المنكر بالقلب إبقاء لهذا المنهج حتى لا يضيع، ولا يندثر عند الناس([21]). والله أعلم.

اللهم حبِّب إلينا الإيمان، وزيِّنه في قلوبنا, وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان, واجعلنا من الراشدين، وطهِّر قلوبنا عن دنس الشهوات الشبهات، ومن حب المعاصي والسيئات، ومن الأدواء والأهواء.

 

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 



([1]) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (1/20-21).

([2]) مجموع الفتاوى (10/109-110) بتصرف.

([3]) هذه مفاهيمنا (ص: 5) بتصرف.

([4]) الاستقامة لابن تيمية (2/212).

([5]) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان... (1/69- 49).

([6]) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان... (1/69-50).

([7]) فتح القدير للشوكاني (4/274).

([8]) معجم اللغة العربية المعاصرة (1/629).

([9]) البيت للشاعر النجاشيّ الحارثي يهجو رهط تميم بن مقبل، انظر: العقد الفريد (6/167) والشعر والشعراء (1/319) والعمدة (1/52).

([10]) هذه العبارة لزهير بن نُعَيْم البابي، في حلية الأولياء لأبي نعيم (10/150) والمجالسة وجواهر العلم للدينوري (2/312) وذكرها دون نسبة لقائل السفاريني في لوامع الأنوار البهية (2/429) وابن رجب الحنبلي في تفسيره (1/278) وفي جامع العلوم والحكم (1/223) وغيرهم.

([11]) تفسير ابن رجب الحنبلي (1/278).

([12]) دروس للشيخ سفر الحوالي (56/26).

([13]) أخرجه أحمد، ط الرسالة (30/488-18524) وقال محققو المسند: "حديث حسن بشواهده" وحسنه الألباني في صحيح الجامع (1/403-2009).

([14]) لقاء الباب المفتوح (85/13).

([15]) مجموع الفتاوى (5/119).

([16]) طريق الهجرتين وباب السعادتين (ص: 170).

([17]) فيض القدير (6/131) بتصرف.

([18]) تنبيه الغافلين (ص: 38).

([19]) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لابن تيمية (ص9).

([20]) دروس للشيخ علي بن عمر با دحدح (122/27) بتصرف.

([21]) شرح الأربعين النووية لعطية سالم (57/13) بتصرف.

([21]) شرح الأربعين النووية لعطية سالم (57/13) بتصرف.


  

عدد مرات القراءة 29
رابط المقال

التعليقات 0

اكتب تعليق