ولنا في الهدهد عبرة

ولنا في الهدهد عبرة

16 صفر 1439هـ

هدهد نبي الله سليمان طائر صغير الحجم، ضعيف القوى، لكن العبرة ليست بكبر جسم أو قوة بأس، بل العبرة بعقيدة ونية وعمل يثقل في الميزان، فهذا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، كان يجتني سواكا من الأراك، وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفؤه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مم تضحكون؟ " قالوا: يا نبي الله، من دقة ساقيه، فقال: "والذي نفسي بيده، لهما أثقل في الميزان من أحد"[1].

فهذا الهدهد الصغير أتى بعمل يُضرب به المثل لكبار المحتسبين، فالهدهد رأى منكرًا لم تقدر عيناه على تجاوزه، ولم يتحمل قلبه وجوده، فكان ما قصه القرءان عنه من قوله لسليمان عليه السلام: {إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ } [النمل: 23 - 26]}، وهذه القصة يتعلم منها كل محتسب دروسًا، منها:

- إيجابية الهدهد وتفاعله مع الأحداث، فلم يقتصر دوره على مجرد متابعتها، ورؤية المنكرات والمرور عليها مرور الكرام، بل نقلها لمن يقدر على التغيير.

- تثبته من الأخبار، فالهدهد يقول بكل ثقة ويقين: {وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} "أي: خبر متيقن"[2]، وفي المقابل كان رد نبي الله سليمان على الخبر المنقول من جندي من جنوده هو التثبت قبل التصديق: {قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ}، وما أحوج المسلمين ولا سيما أهل الحسبة منهم لهذا الخلق العظيم.

- عِلمه الذي مكنه من إدراك هذا المنكر العظيم، فلقد علم أن التعظيم بالسجود لا ينبغي إلا للرب جل وعلا، وعلم أن الشيطان يزين للناس سوء أعمالهم.

- تعدد وسائل الحسبة: فنبي الله سليمان عليه السلام قال للهدهد: {اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ} [النمل: 28]، ففي "هذه الآية دليل على إرسال الكتب إلى المشركين وتبليغهم الدعوة، ودعائهم إلى الإسلام، وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر وإلى كل جبار"[3].

- معلوم أنه" لا يعلم أحد من الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- شيئا مما غاب عنه إلا بإعلام الله، فليس لهم كشف عام عن جميع ما في الكون، وإنما يعلمون منه ما أطلعهم الله عليه، ومن مدارك ذلك هذه القصة، فإن سليمان- عليه السلام- لم يكن يعلم من مملكة سبأ شيئا حتى أطلعه الله عليه بواسطة الهدهد، وإذا كان هذا حال الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- فغيرهم من عباد الله الصالحين من باب أحرى وأولى"[4].

- "التنبيه على أن أضعف الخلق قد يُؤتى ما لا يصل إليه أقواهم، لتتحاقر إلى العلماء علومهم ويردوا العلم في كل شيء إلى الله، وفيه إبطال لقول الرافضة: إن الإمام لا يخفى عليه شيء، ولا يكون في زمانه من هو أعلم منه"[5].

- إدراك الهدهد لحدود طاقته ومسؤوليته، فهو يدرك أن قدرته هي نقل الخبر، ولا يقدر على غير ذلك، وليت محتسبي زماننا يدركون أن الأحداث قد يكون وراءها من الأمور ما لا تقدر عليه قدراتهم، وليس هذا مسوغًا لترك الإنكار، ولكن لإدراك الوسع والقدرة قال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا} [البقرة: 286].

-رد الأمر لأهله كما قال تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83].

والله أعلم

 

 



[1] مسند أحمد ط الرسالة (7/ 98-99/3991)، وقال محققوه منهم الشيخ شعيب الأرناؤوط: صحيح لغيره..

[2] تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 604)

[3] تفسير القرطبي (13/ 191).

[4] آثار ابن باديس (2/ 40).

[5] نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (14/ 150).


  

عدد مرات القراءة 58
رابط المقال