نملة... تنقذ أمة

نملة... تنقذ أمة

18 محرم 1439هـ

 

قصة عجيبة من قصص القرآن الكريم تُظهر لنا نموذجًا عجيبًا من نماذج الاحتساب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [النمل: 17، 18]

 فقد "سار سليمان- صلى الله عليه وسلم- في تلك الجنود العظيمة يحيط به الإنس والجن وتظلهم الطير حتى هبطوا على وادي النمل، فرأتهم كبيرة النمل وقائدته فصاحت في بني جنسها فنادتهم للتنبيه وأرشدتهم إلى طريق النجاة بأمرهم بالدخول في مساكنهم وحذرتهم من الهلاك بحطم سليمان وجنوده لهم عن غير شعور منهم فلا يكون اللوم عليهم وإنما اللوم على النمل إذا لم يسرع بالدخول"[1].

موقف عجيب وتصرف غريب ولكن لربنا في خلقه شئون، فسبحان الله! إن النمل يملك المساكن التي إذا دخلها لم تضره جنود سليمان الجرارة، فهذه الآية تعلم كل أمة ضعيفة دروس الحفاظ على كيانها أمام الأمم القوية، وأول درس في ذلك الاتحاد والاتفاق، وطاعة كل فرد رئيسه في كل أمر معروف غير منكر.

والدرس الثاني: توفير وسائل الأمن الذاتي في كل وقت.

والدرس الثالث: عدم مواجهة من لا طاقة وقدرة بمواجهته، فلابد من مراعاة مبدأ المصالح والمفاسد، وتقدير القدرة والعجز تقديرًا حقيقيًا واقعيًا وليس حلمًا يحيط به الظلام ويجلب الشرور والآثام.

والدرس الرابع: عدم توجيه اللوم في حالة التضرر إلى من لم ينوِ إلحاق الضرر، ففارق بين المتعمد والغافل على اختلاف درجاته.

والدرس الخامس: أن الإنذار بالخطر القادم واجب على كل من اطلع على خطر كائنًا من كان.

والدرس السادس: أن مخلوقا ضعيفا مثل النمل يستحق البقاء إذا أراد ذلك، فليس ضعف أمة دليلا على فنائها[2].

والدرس السابع: "عاطفة الجنسية غريزة طبيعية، فهذه النملة لم تهتم بنفسها فتنجو بمفردها. ولم ينسها هول ما رأت من عظمة ذلك الجند، إنذار بني جنسها إذ كانت تدرك بفطرتها أن لا حياة لها بدونهم ولا نجاة لها إذا لم تنج معهم فأنذرتهم في أشد ساعات الخطر أبلغ الإنذار. فهذا يعلمنا أن لا حياة للشخص إلا بحياة قومه ولا نجاة له إلا بنجاتهم، وأن لا خير لهم فيه إلا إذا شعر بأنه جزء منهم ومظهر هذا الشعور أن يحرص على خيرهم كما يحرص على نفسه وأن لا يكون اهتمامه بهم دون اهتمامه بها"[3].

والدرس الثامن: النملة على ثغر تراقب وتستطلع ما يراد بأمتها ولم تترك مكانها ولم تنشغل بغير وظيفتها، فما أحوجنا لأمثال هذه النملة في زمن الأنا والشخصنة، إن "هذه عظة بالغة لمن لا يهتم بأمور قومه ولا يؤدي الواجب نحوهم، ولمن يرى الخطر داهماً لقومه فيسكت ويتعامى"[4].

الدرس التاسع: من أدب النملة أنه "لم ينسها الخوف على نفسها وعلى بني جنسها من الخطر الداهم أن تذكر عذر سليمان وجنده"[5]، فالنملة تنطق بالعدل والإنصاف فالخطر ليس دافعًا للظلم ولا مبررًا له.

الدرس العاشر: الأدب مع أولي الفضل سبيل نجاة، فالنملة تأدبت فنجت، ولقد "ذكر الله تعالى أدب السحرة مع موسى عليه السلام حينما قالوا: {يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ} [الأعراف:115] فذكر الزمخشري أنهم تأدبوا مع موسى عليه السلام، ثم ذكر أن هذا الأدب مع موسى نفعهم بأن هداهم الله سبحانه وتعالى إلى الإيمان"[6].

الدرس الحادي العاشر: إن كثرة وشدة الأخطار ليست مبررًا لترك الأخذ بالأسباب، فمع كثرة جنود سليمان وضعف النمل، نجوا ببركة الحسبة والإنذار.

الدرس الثاني عشر: النملة لم تحتقر ذاتها ولا استصغرت صوتها ولا استهانت بإنذارها ولا اتكلت على غيرها مع كثرة الغير.

فإن كانت هذه نملة لا عقل لها قُدّر لها أن تكون وبني جنسها مضرب مثل، وأن يعطونا دروسًا في التدبير والتعاون والتحلي بروح الجماعة لتخطي الصعاب والمخاطر، فما الظن برجال أمة قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: « مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى »[7]؟



[1] آثار ابن باديس (2/ 27-28).

[2] رحمة للعالمين (ص: 824-825)، بتصرف..

[3] آثار ابن باديس (2/ 28)، بتصرف.

[4] آثار ابن باديس (2/ 28-29)

[5] آثار ابن باديس (2/ 28).

[6] دروس الشيخ محمد إسماعيل المقدم.

[7] متفق عليه، واللفظ لمسلم.


  

عدد مرات القراءة 134
رابط المقال