صادق محمد مهيوب الهادي

ظلم ذوي القربى

12 محرم 1439هـ

الظلم من أعظم المنكرات، وأقبح السيئات، وأعظم الآفات، وهو جرمٌ شنيع، وذنبٌ فظيع، ومسْلبَةٌ للنعم، ومجلبةٌ للنقم؛ ولهذا كان قبيحاً عقلاً وشرعاً، جاءت بقبحه الشرائع، وأدركتْ قبحه العقول، فكان مُحرَّماً مطلقاً، لا يُباح قط بحالٍ، وهو مما اتّفق العقلاء على ذمه وتقبيحه، وذم أهله؛ ولهذا حرَّم الله تعالى الظلم على نفسه، وجعله بين عباده مُحرَّماً، فلم يرضَ من الظلم بقليل ولا كثير، ولا مثقال ذرة، ولا حبة خردل، وليس بتارك أحداً من خلقه يوم القيامة، حتى يقضي له، حتى أنَّ الشاة الجماء([1]) ليُقاد لها من الشاة القرناء.

ومن شناعته أُطلق على الشرك -الذي هو أعظم الذنوب- ظلماً، قال تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان (13)].

وكانت عاقبته شنيعة، ومرتعه وخيم، فهل رأيتم ظالماً سَلِمَ، أو جائراً غنم؟! قال الله تعالى: {وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً} [الفرقان (19)] وقال تعالى: {إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [الشورى (40)].

فكيف إذا كان هذا الظلم واقعًا على الآباء والأمهات، والأولاد والبنات، والزوجات والأخوات، والخالات والعمات، وذوي القرابات، فلا ريب أنَّ ظلم الوالد لأولاده، وظلم الزوج لزوجته وابنته، وظلم الرجل لأخته وقريبته، أشدُّ من الظلم لغيرهم، فهو إثمٌ، وقطيعةُ رحم، فقد جَمَعَ بين السيئتين، وقَرَنَ بين المفسدتين، ولله در الشاعر القائل:

وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضةً *** على النفس من وقع الحسام المهنّد([2]).

فكثيرٌ هن الزوجات اللائي يشكين ظلم أزواجهن، والبنات اللائي يشكين ظلم آبائهن، والأخوات اللائي يشكين ظلم إخوانهن، والأمهات اللائي يشكين ظلم أبنائهن، والقريبات اللائي يشكين ظلم بعض أقاربهن.

فهذه المنكرات التي تعج بها معظم البيوت، لا أحد يشعر بها، أو يتكلم عنها، أو يبحث لها عن علاج؛ لأنها غير معلومة، في الغالب، إلا لدى علام الغيوب، وغير ظاهرة للعيان؛ لأنها من أسرار البيوت.

فكم من ابن عاق، ظَلَمَ والديه، فعقهما، وهجرهما، وحرمهما بره، وخيره، وهما في أمس الحاجة إليه، وإلى عنايته، ورعايته.

وكم من زوجٍ ظَلَمَ زوجته: بضربها، وسبها، وأخذ مالها، وتضييع حقوقها، وحرمانها النفقة المناسبة لمثلها، والإساءة إليها، والإهمال لها، والقسوة والكذب عليها، وإهانتها، وعدم مراعاة مشاعرها وحاجتها، أو عدم معالجتها إذا مرضت، والتسبب في إفساد حالتها النفسية والعصبية.

وكم من أبٍ ظَلَمَ أولاده، بتركهم دون نفقة، ودون تربية وعناية وحنان، وسخر منهم وأهانهم، وأهملهم، وحرمهم حقوقهم.

وكم من أخ ظَلَمَ أخته، فلم يسأل عنها، ولا عن حالها، وحاجتها، وفقرها، وعوزها، وهو قادر أن يمد يد العون إليها، وربما أخذ ميراثها، وهلم جراً.

فهذه منكرات عظيمة، تُؤذِن بخراب المجتمعات، وتفككها، وفساد ذات البين، وقطيعة الرحم، ومُؤذِنة بنزول العقوبة، وحلول العذاب، على أصحابها، بل على المجتمع كله، إذا كثُرت، ولم تُغيَّر وتُزال.

فكيف لنا في علاج منكرات من مثل هذا النوع؟

لعلنا نتلمس بعض الخطوات في ذلك، منها:

• بيان خطر مثل هذه المنكرات:

فظلم هؤلاء الأقارب الضعفاء ذنبٌ عظيم؛ لأنهم لا ناصر لهم إلا الله، وحقهم حقٌ لمخلوق، والله عظَّم حقوق المخلوقين، والله خصْم الظالمين، ونقمته نازلة على الطاغين الباغين، وهذا الظلم مما يُنافي حسن العشرة، المطلوب شرعاً معهم، وهو علامة ومظهر من مظاهر نقصان الاستقامة والتدين في المرء، والله تعالى يقول: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ} [النساء (1)].

وهذا الظلم والمظالم: هي في حقيقتها: إظلام وظُلمة في القلب اليوم، وظلمة غداً يوم القيامة، وشؤم على أصاحبها، وسبب في نزول العذاب العاجل عليهم.

حكي أنَّ الرشيد حبس أبا العتاهية، فكتب على حائط الحبس:

أما والله إن الظلم شؤم *** وما زال المسيء هو الظلومُ

إلى ديان يوم الدين نمضي *** وعند الله تجتمع الخصومُ

ستعلم في المعاد إن التقينا *** غداً عند المليك من الظلومُ([3]).

فأخبر الرشيد بذلك، فبكى بكاء شديداً، ودعا بأبي العتاهية، فاستحله، ووهب له ألف دينار، وأطلقه([4]).

فهذا في الغريب فكيف بالقريب؟! وهذا بالقوي فكيف بالضعيف؟!

وليتذكر هذا الظالم لزوجته: أنَّ له قريبات متزوجات، لعل الله أن يبتليه بهن في أزواجهن، فيؤذونهن، كما يؤذي هو زوجته.

ولعله أن يُبتلى بمن يظلمه، وينتقم منه، وصدق من قال:

وما من يدٍ إلا يدُ الله فوقها *** ولا ظالمٍ إلا سيُبلى بأظلمِ([5]).

• تقديم النصيحة لمن وقع في هذا الظلم:

مما لا شك فيه أنَّ للنصيحة أهمية عظيمة، فكم من نصيحةٍ أزالت منكراً، وأيقظت غافلاً، ونبهت جاهلاً، وأرجعت شارداً، وهي وظيفة الأنبياء وأتباعهم، قال الله تعالى على لسان نوح -عليه السلام-: {وَأَنْصَحُ لَكُمْ} [الأعراف (62)] وعلى لسان هود -عليه السلام-: {وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ} [الأعراف (86)] وعلى لسان شعيب -عليه السلام-: {وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ} [الأعراف (93)] وعلى لسان صالح -عليه السلام-: {وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف (79)].

وانظر إلى هذا التعقيب الجميل: {وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ} وذلك لتغليب الناس -في العادة- الشهوات على الشرع؛ إذ كلام الناصح صعب، ومضاد لشهوة نفس الذي يُنصح، فيتبرم بنصح الناصحين، ونقد الناقدين، فضلاً عن لوم اللائمين.

ولهذا كان للنصيحة آدابها، وشروطها، ومن أعظم آدابها في نظري، أدبين مهمين:

1- عدم إشعار المنصوح بالتكبر والتعالي عليه، وجعله يشعر بنغمة التفوق والاستعلاء، أو اللوم أو السخرية، أو الاتهام.

2- التعريض أنفع من التصريح: وهذا دأب الناصح الكريم، وهو أن يبدأ بنفسه، ويعرض ولا يصرح، ونظيره قوله تعالى: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ} ثم قال معرضاً: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس (20-22)] ويريد بالكلام هؤلاء المعرضين!

قال بعض المحققين: يحتاج الناصح والمشير إلى علم كبير وكثير، فإنَّه يحتاج أولاً إلى علم الشريعة، وهو العلم العام المتضمن لأحوال الناس، وعلم الزمان، وعلم المكان، وعلم الترجيح، إذا تقابلت هذه الأمور، فيكون ما يصلح الزمان يفسد الحال، أو المكان، وهكذا فينظر في الترجيح، فيفعل بحسب الأرجح عنده، مثاله: أن يضيق الزمن عن فعل أمرين اقتضاهما الحال، فيشير بأهمهما، وإذا عرف من حال إنسان بالمخالفة، وأنَّه إذا أرشده لشيء فعل ضده، يشير عليه بما لا ينبغي ليفعل ما ينبغي، وهذا يسمى علم السياسة، فإنه يسوس بذلك النفوس الجموحة الشاردة، عن طريق مصالحها، فلذلك قالوا: يحتاج المشير والناصح إلى علم، وعقل، وفكر صحيح، ورؤية حسنة، واعتدال مزاج، وتؤدة، وتأنٍ، فإنَّ لم تجمع هذه الخصال فخطأه أسرع من إصابته، فلا يشير، ولا ينصح، قالوا: وما في مكارم الأخلاق أدق ولا أخفى ولا أعظم من النصيحة([6]).

• توعية كل أفراد الأسرة، بحقوق بعضهم على بعض:

من الوسائل المهمة لإزالة مثل هذه المنكرات، والتقليل منها، التوعية المستمرة؛ لإفراد الأسرة، بحقوقهم، وواجباتهم تجاه بعضهم، سواء كان أباً، أو ابناً، أو أخاً، أو زوجاً، أو غيرهم.

وتذكيرهم بالأمانة الملاقاة على أعناقهم، ويا حبذا أن تُستغل خطبة الجمعة، في طرح مثل هذه المواضيع، مثلاً بذكر: (حق الأب على ابنه، وحق الابن على الأب، وحق الزوجة على زوجها، وحق الأخت على أخيها...، وهكذا).

واستغلال وسائل الإعلام المختلفة في ذلك، بتناول الآيات القرآنية، التي تتحدث عن أهمية القرابة، وحق الرحم، والأهل بالشرح، والتفسير، وإيراد القصص الواردة في الظلم، وعاقبة أهله، وإقامة الدورات في الإصلاح الاجتماعي.

• على المسلم أن يجاهد نفسه على ترك الظلم، مع كل أحد، وبخاصة مع القريب والضعيف:

من الواجبات المتحتمات على المسلم أن يبتعد عن الظلم، وأن يقهر نفسه ويلزمها على العدل، والرحمة، وبخاصة مع القريب والضعيف، فإنَّ أقسى الظلم وأمرّه على النفس لهو ظلم أقرب الأقربين، وألصقهم بالإنسان جسداً وروحاً، فإنَّ وقْع أذى الأقربين في النفوس أشد من وقْع أذى الأبعدين، وإنه ليس أشقَّ على الإنسان، من أن يكون أعداؤه بعضاً من كيانه، والعرب كانت تأنف من الرجل الذي يكون شره على قرابته.

وإنه كما قيل: ليس للجائر جار، ولا تعمر له دار، وإنما يصير عظة للرائين، وعبرة للراوين، وآية للمعتبرين، وانظر إلى قوله تعالى: {لَقَد كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ} [يوسف (7)].

فمن عجائب الجزاء في الدنيا أنَّه لما امتدت أيدي الظلم من إخوة يوسف {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} [يوسف (20)] امتدت أكفهم بين يديه بالطلب، يقولون: {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا} [يوسف (88)]([7]).

فالمظلوم أو المستضعف إذا انقطعت به الأسباب، وأغلقت في وجهه الأبواب، ولم يجد من يرفع عنه مظلمته، ويعينه على من تسلط عليه وظلمه، ثم رفع يديه إلى السماء، وبث إلى الجبار العظيم شكواه، نصره الله، وأعزه، وانتقم له ممن ظلمه ولو بعد حين، فكل من ظُلِم واستُضْعِف فإنَّه إن لجأ إلى ربه، وفزع إليه بالدعاء، أجابه الله، وانتصر له، وإن كان فاجراً([8]).

دخل طاوس اليماني على هشام بن عبد الملك، فقال له: اتق الله يوم الأذان، قال هشام: وما يوم الأذان؟ قال: قال الله تعالى: {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [الأعراف (44)] فصعق هشام، فقال طاوس: هذا ذا الصفة فكيف بذل المعاينة؟([9]).

ومن أسمائه -سبحانه وتعالى- (خير الفاصلين) والفاصل: القاضي، يفصل بين الخلق، ويقضي بينهم، وقد يكون في القضاة من يُخطئ في الحكم، ومنهم من يقضي بالجور، والله تعالى خير الفاصلين، ينتقم للمظلوم من الظالمين، قال الله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} [إبراهيم (42)] وهذا وعيد للظالم، وتعزية للمظلوم، ولا أحد أظلم ممن ظلم الضعيف، واليتيم، والمسكين، والقريب، ومَن لا ناصر له غير الله، فليحذر الظالم، وليرد المظلمة؛ وليخف دعوة المظلوم، فإنه ليس في الآخرة دينار، ولا درهم، ولا دار، ولا عقار، وإنما الحكم بالحسنات والسيئات، فمن ظلم أحداً أخذ المظلوم منه حسناته، فإن لم يكن له حسنات زيد من سيئات المظلوم على سيئاته، فليبادر الظالم إلى رد المظلمة في الدنيا قبل يوم القيامة حيث لا يكون دينار ولا درهم([10]).

فهل تعتقد -يا مَن ظلمتَ- أنَّ الإنسان المظلوم يعيش مثل الإنسان الطبيعي؟ هل يحس بما نحس به نحن الآن؟ هل تعتقد بأن حياته طبيعية وشعوره عادي؟ إذا كنت تعتقد ذلك، فأعد النظر! الإنسان المظلوم لا يعيش حياته كغيره من البشر، لا يعيش ولا يحس كالأشخاص الطبيعيين، لا يحس بطعم الشراب ولا الطعام! لا يستطيع أن يستمتع بحياته! بل لا يستطيع حتى أن يبتسم مثلي ومثلك! الإنسان المظلوم يصاب بالاكتئاب، ويحس بأن هنالك صخرة بحجم الكرة الأرضية، بل بحجم العالم كله تجثم على صدره!

وعندما يحاصَر المظلوم من كل جهة، ويضيّق عليه الخناق، فلا يستطيع الانتصار لنفسه ممن ظلمه، ولا يقدر على التخلص من الظلم الصارخ الذي أحاط به من كل جانب، يرفع يديه إلى السماء، فتَفتح له السماء أبوابها، وتأتيه منافذ الفرج، ويتنزل عليه المدد، إنَّه مدد السماء، من رب الأرباب، وخالق الأسباب، مهلك الجبابرة، وقاصم القياصرة، الذي أهلك عاداً الأولى، وثمود فما أبقى، وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى.

إن رحمة الله -تبارك وتعالى- تتجلى في هذا السلاح الفتاك، الذي منحه الله للمظلومين، بل إن الظلمة مهما بلغوا من الطغيان، أفراداً كانوا أو دولاً، قد يسقطون بسبب الدعاء([11]).

فكم من قلب أمٍ تقرّح بسبب أذية الزوجة وإضرارها، وكم من عينٍ بكت ودمعت بسبب ظلم الأخ لأخته، وظلم الأب لأولاده، وظلم الأولاد لآبائهم، فعلى المرء أن يخاف الله ويتقيه، فالظلم والعقوق لا خير فيه، وإنه من الذنوب التي يعجل الله به العقوبة، فإياك إياك والظلم، فكما تدين تدان، ومن وقع في الظلم نقص منه من الأمن والاهتداء بقدر ظلمه، ومن سلم من أجناس الظلم الثلاثة: الشرك، وظلم العباد، وظلمه لنفسه دون الشرك، كان له الأمن التام والاهتداء التام.

والنفوس جُبلت على الظلم، والجهل، إلا أن يتعاهدها أصحابها بالعدل والحق.

ولهذا روي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنَّه كان يقول: "اللهم إني أستغفرك لظلمي وكفري" فقيل له: يا أمير المؤمنين هذا الظلم، فما بال الكفر؟! فتلا قوله: {إنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم (34)]([12]).

فمن طباع الناس حب المغالبة على ما آثروه، والقهر لمن عاندوه، ما لا ينكفون عنه، إلا بمانعٍ قوي، ورادعٍ ملئ، وقد أفصح المتنبي بذلك في قوله:

والظلم من شيم النفوس فإن تجد *** ذا عفة فلعلةٍ لا يظلم([13]).

وهذه العلة المانعة من الظلم لا تخلو من أحد أربعة أشياء -كما قال العلماء-: إما عقل زاجر، أو دين حاجر، أو سلطان رادع، أو عجز صاد، فإذا تأملتها لم تجد خامساً يقترن بها، ورهبة السلطان أبلغها؛ لأن العقل والدين ربما كانا مضعوفين، أو بدواعي الهوى مغلوبين، فتكون رهبة السلطان أشد زجراً، وأقوى ردعاً([14]).

وقال علي بن الحسين بن علي -رضي الله عنهم- لولده: يا بني لا تصحبن قاطع رحم، فإني وجدته ملعوناً، في كتاب الله في ثلاثة مواضع([15]).

قلتُ: منها: قوله تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [محمد (22-23)].

وقال ميمون بن مهران: إنَّ الرجل يقرأ القرآن، وهو يلعن نفسه، قيل له: وكيف يلعن نفسه؟ قال: يقول: {أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود (18)] وهو ظالم؟ ليس شيء من الذنوب أعظم من الظلم؛ لأن الذنب إذا كان بينك وبين الله تعالى فإنَّ الله تعالى كريم، يتجاوز عنك، فإذا كان الذنب بينك وبين العباد فلا حيلة لك سوى رضا الخصم، فينبغي للظالم أن يتوب عن الظلم، ويتحلل من المظلوم في الدنيا، فإذا لم يقدر عليه، فينبغي أن يستغفر، ويدعو له، فإنَّه يرجى أنه يحلله بذلك([16]).

وقد قيل: أقرب الأشياء صرعة الظلوم، وأنفذ السهام دعوة المظلوم، ويشهد له قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((اتقوا دعوة المظلوم، فإنها ترفع على الغمام، ويقول الله -عز وجل-: وعزتي وجلالي لأنصرنك، ولو بعد حين))([17])، وقال -عليه الصلاة والسلام-: ((ثلاث دعوات مستجابات، لا شك فيهن، دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده))([18]).

• ماذا على من وقع في جحيم هذا الظلم؟

عليه أولاً الصبر، والدعاء بالهداية لمن ظلمه، وأن يشكو أمره -إن استطاع- إلى رجل رشيد، من أهله وقرابته، لعله يقوم بالنصح والإرشاد، فقد جاء في الحديث: أنَّ النساء اشتكين إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- ظلم أزواجهن:

فعن إياس بن عبد الله بن أبي ذباب قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا تضربوا إماء الله)) فجاء عمر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: ذئرن([19]) النساء على أزواجهن، فرخص في ضربهن، فأطاف بآل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نساء كثير يشكون أزواجهن، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن، ليس أولئك بخياركم))([20]).

ألا فليتقِ الله من وقع في هذا! ويكف عن الظلم، وليعلم أنَّ ظلم القريب، وظلم الضعيف، يكون أشد تحريماً، وأعظم قبحاً؛ لأن المفروض فيه أن يحافظ على قريبه، ويحفظه من كل مكروه، ويرعاه من كل ضرر، فإذا صدر الظلم من الكبير للصغير، ومن القوي للضعيف، ومن القريب لقريبه، كان ذلك أعظم جرماً، وأشد عقوبة.



([1]) الشّاةِ الجَمّاءِ:هي التي لا قَرْنَ لها. انظر: العين، للفراهيدي، ت: د مهدي المخزومي، د إبراهيم السامرائي، دار الهلال (6/27).

([2]) البيت لطرفة بن العبد في ديوانه، ضمن معلقته، تحقيق: مهدي محمد ناصر الدين، دار الكتب العلمية بيروت لبنان (ص: 26).

([3]) الأبيات في ديوانه (ص: 398) دار بيروت، 1406هـ

([4]) أدب الدنيا والدين، للماوردي، دار مكتبة الحياة، 1986م (ص: 138).

([5]) البيت غير منسوب لقائل في التمثيل والمحاضرة (ص: 10) وروض الأخيار، لابن الخطيب (ص: 393).

([6]) تفسير الثعالبي - الجواهر الحسان في تفسير القرآن، (3/424) بتصرف.

([7]) صيد الخاطر، لابن الجوزي (ص: 66-67).

([8]) فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب، لمحمد نصر الدين محمد عويضة (5/341).

([9]) الكبائر، للذهبي، دار الندوة الجديدة، بيروت (ص: 111).

([10]) الحجة، للأصبهاني (1/163-164) بتصرف.

([11]) فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب، لمحمد نصر الدين محمد عويضة (7/510).

([12]) قوت القلوب، لمحمد بن علي بن عطية الحارثي، (1/91) وإحياء علوم الدين، للغزالي (1/ 288).

([13]) البيت له في ديوانه، مع شرح الواحدي (ص: 173) برواية: والظلم في خلق النفوس فإن تجد*** ذا عفةٍ فلعلةٍ لا يظلم.

[14])) أدب الدنيا والدين للماوردي (ص: 134) بتصرف.

([15]) صيد الأفكار في الأدب والأخلاق والحكم والأمثال، لحسين المهدي اليمني (2/140).

([16]) تنبيه الغافلين للسمرقندي (ص: 377).

([17]) موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان، ت: حسين أسد (8/ 50-2408) وقال محققه حسين أسد سليم: إسناده جيد، قلتُ: وهو متفق عليه بلفظ: ((اتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينه وبين الله حجاب)).

([18]) أخرجه الترمذي، ت شاكر، في أبواب البر والصلة، باب ما جاء في دعوة الوالدين (4/ 314-1905) وقال: "هذا حديث حسن". وحسنه الألباني في صحيح الجامع (1/582-3031).

([19]) ذَئِرَت المَرْأَةُ على بَعْلِها، وهي ذائِرٌ نَشَزَتْ، وتَغَيَّرَ خُلُقُها. انظر: المحكم والمحيط الأعظم، لابن سيده (10/ 94).

([20]) أخرجه أبو داود في النكاح، باب في ضرب النساء (2/245-2146) وصححه الألباني في صحيح أبي داود (ص:2-2146).


  

عدد مرات القراءة 125
رابط المقال