المخدرات والمسكرات

20 ذو الحجة 1438هـ

 

عبدالعزيز بن أحمد الغامدي

 الخطبة الأولى

عباد الله، لقد كرم الله - عز وجل - بني الإنسان على كثير من المخلوقات، قال تعالى: ? وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ? [الإسراء: 70].

كرم الله - عز وجل - بني آدم بصفات كثيرة، امتاز بها عن غيره من المخلوقات، ومن أعظمها أن كرمه بالعقل، وزينه بالفهم، ورزقه التدبر والتفكر، فكان العقل من أكبر نعم الله على الإنسان، به يميز بين الضار والنافع، وبه يدبر أموره وشؤونه، وبه ترتقي الأمم وتتقدم الحياة، وقد جعل الشرع الحكيم التكليفَ مرتبطا بوجود هذا العقل. فهذا العقل جوهرة ثمينة، يحوطها العقلاء بالرعاية والحماية؛ اعترافاً بفضلها، وخوفاً من ضياعها وفقدانها.

 

وإذا ما فقد الإنسان عقله، لم يفرَّق بينه وبين سائر الحيوانات والجمادات، بل لربما فاقه الحيوان الأعجم بعلة الانتفاع. ومن فقد عقله لا نفع فيه ولا ينتفع به، بل هو عالة على أهله ومجتمعه.

هذا العقل الثمين، الذي هو مناط التكليف، يوجد في بني الإنسان، من لا يعتني بأمره، ولا يحيطه بسياج الحفظ والحماية، بل هناك من يضعُه تحت قدميه، ويتبع شهوتَه، فتُعمى بصيرتُه، كل هذا يبدو ظاهرا جليا، في مثل كأس خمر، أو جرعة مخدر، تُفقِد الإنسانُ عقلَه؛ فينسلخ من عالم الإنسانية والعقل، ويتقمص شخصية الضلال والجنون والإجرام والفساد؛ فينسى ربه، ويظلم نفسه، ويهيم على وجهه، ويقتل إرادته، ويمزق حياءه، ويتعب أسرته ومجتمعه ووطنه.

 

إن الفطرة السليمة لتأبى التفريط في العقل، ثبت في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حادث الإسراء، أنه قال: ((وأُتيتُ بإناءين، في أحدهما لبن، وفي الآخر خمر، فقيل لي: خذ أيَّهما شئت، فأخذت اللبن، فشربت، فقيل لي: هُديت الفطرة، أو أصبت الفطرة، أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك)).

 

عباد الله، إن الخمر التي كانت من مفاخر الجاهلية ومن تقاليدهم المألوفة، جاء الإسلام بإلغائها، وخلّص الجماعة المسلمة من رواسب الخمرة، بعد أن رسّخ دعائم التوحيد والعقيدة في نفوسهم، وأخرجهم من عبادة العباد وعبادة الشهوة والجسد؛ إلى عبادة الله وحده.

إخوة الإسلام، إن رذيلة المخدرات والمسكرات آفة خبيثة، لم تفش في عصر من العصور كما فشت في عصرنا الحاضر، شنها أعداء الإسلام على جميع بلاد المسلمين، بهدف تخديرهم، وإهدار طاقاتهم، وشل جهودهم وعقولهم ومحاربة دينهم.

لقد قام أعداء الإسلام، بزج كميات مخيفة من جميع أصناف المخدرات، إلى بلاد المسلمين حسدا من عند أنفسهم وحقدا، ووقع جمع من الناس في براثنها، ورضعوا من أثداء المخدرات والمسكرات؛ فنقضوا في بناء الأسر والمجتمعات، كم من الآلاف في أمتنا بين مروجين ومدمنين، يعكفون على المسكرات والمخدرات، ويُهلكون أنفسَهم وأسرهم ومجتمعاتهم وأوطانهم عن طريق هذه السموم الفتاكة التي تحمل أضرارا كثيرة عدّ منها أهلُ العلم أكثرَ من مائة وعشرين مضرة؛ في الدين والدنيا.

 

وهذه المخدرات تخامر العقل وتخطيه فهي داخلة في تحريم الخمور لأنها تعمل عملها، وهي لا تقل تحريما ولعنة عن الخمور المسكرة بل هي أسوأ، وخاصة ما تسببه من قوة في الإدمان وجلب للأمراض، وقد تكلم الفقهاء عنها منذ أن ظهرت بوادرُها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: " إن الحشيشة حرام، يُحد متناولها كما يُحدُّ شاربُ الخمر، وهي أخبث من الخمر، من جهة أنها تفسد العقل والمزاج، حتى يصير في الرجل تخنث ودياثة، وغيرُ ذلك من الفساد، وأنها تصد عن ذكر الله ".أ.هـ كلامه - رحمه الله -.

 

أيها الإخوة الكرام، البعض يبدأ في مستنقع الخمور والمخدرات بتشجيع من رفقاء سوء أو تحدٍّ أو حب استطلاع فإذا وقع في هذا المستنقع صعب عليه الخروج، فبعضهم يدمن من أول مرة ويصبح أسيرا لهذه السموم، والمتعاطي لهذه السموم تصبح شغله الشاغل وينسى ما عداها من أمور دنياه وآخرته، وصدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - حينما قال: (مدمن الخمر كعابد وثن) صححه الألباني، يعني تصبح همه وتفكيره وشغله الشاغل في ليله ونهاره.

وهذا الخمر والمسكر وهذه السموم تجر إلى المعاصي الأخرى، يقول ذو النورين عثمان - رضي الله عنه - محذرا: (فاجتنبوا الخمر، فإنها أم الخبائث، وإنه والله لا يجتمع الإيمان والخمر في قلب رجل، إلا يوشك أحدُهما أن يذهب بالآخر). ويقول الحسن البصري - رحمه الله -: (لو كان العقل يشترى، لتغالى الناس في ثمنه، فالعجب ممن يشتري بماله ما يفسده!).

اللهم جنبنا الخبائب، واجعلنا من التوابين والمتطهرين...

 

الخطبة الثانية

الإسلام تدرج في تحريم الخمر - لأنها مرحلة تشريع -، حتى ختمها الله بالتحريم في قوله تعالى: ? يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ? [المائدة:90، 91]. فقال من كان يشرب الخمر من الصحابة - رضي الله عنهم -: (انتهينا انتهينا).

ويشمل تحريم الخمر، جميعَ أنواعِ المسكرات وما يستجد منها؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام) رواه مسلم

 

وشارب الخمر مستحق للعقوبة الدنيوية وهو أن يجلد ثمانين جلدة، ويحد شاربها وإن لم يسكَر سواء أشرب الكثير أم القليل، بإجماع الصحابة - رضوان الله عليهم.

وأما العقوبة الأخروية، فقد روى أبو داود وابن ماجه والترمذي عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، ومبتاعها، وبائعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه)) [وهو حديث حسن]. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((من شرب الخمر في الدنيا، ثم لم يتب منها، حرمها في الآخرة)) [رواه مسلم]. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (( كل مسكر حرام، إن على الله - عز وجل - عهدا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال، قالوا: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: عرق أهل النار، أو: عصارة أهل النار )) [رواه مسلم].

اللهم اغننا بحلالك عن حرامك.

اللهم احفظنا وشبابنا من هذه الفتن وسائر الأخطار.

اللهم احفظنا وبلادنا وبلاد المسلمين من المفسدين.

http://www.alukah.net/sharia/1118/110182/


  

عدد مرات القراءة 161
رابط المقال

التعليقات 0

اكتب تعليق